الجمعة 01 مايو 2026
27°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
كم من جيمس بيكر كويتي بيننا؟
play icon
كل الآراء

كم من جيمس بيكر كويتي بيننا؟

Time
الخميس 30 أكتوبر 2025
عبدالعزيز محمد العنجري

قبل عامين، وتحديدًا في 26 أكتوبر 2023، أقيم احتفال بمناسبة مرور ثلاثين عاماً على تأسيس "معهد بيكر".

في القاعة التي تحمل اسمه، جلس وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر (95 عاماً)، ضيف الشرف أمام جمهور من النخب السياسية والفكرية. لم يكن قد مضى على أحداث السابع من أكتوبر سوى أسبوعين.

وبخلاف ما قالته هيلاري كلينتون التي شاركته المنصة، وذهبت بعيداً في تبرير أفعال إسرائيل، تحدث جيمس بيكر بلغة مختلفة. رفض بوضوح قطع الوقود والكهرباء والدواء عن المدنيين، واعترض على منع شاحنات المساعدات من عبور معبر رفح. كان موقفاً عادياً في جوهره، لكنه بدا استثنائياً في لحظته.

اختار بيكر أن يثقب بالون الانفعال بكلمة هادئة وصادقة مفادها أن العقاب الجماعي لا يجلب أمناً، ولا يحمي شرعية، وأن استهداف المدنيين يفتح أبواباً لأزمات أعمق.

أذكر أنني التقيت بيكر في 30 يناير 2023 في فندق "ذا وِلارد" في واشنطن. حاولت أن أتعمق معه بالحديث عن الكويت، لكنه مال بطريقته الهادئة إلى المقارنة بين ما كانت عليه الديبلوماسية الأميركية في عهده، وكيف آلت اليوم إلى الاعتماد المفرط على القوة والسلاح.

حينها ذكرت له كتاب" The Back Channel" لويليام بيرنز، رئيس الاستخبارات الأميركية السابق، الذي كنت قد فرغت لتوي من الاستماع إليه خلال رحلة بالسيارة بين نورث كارولاينا والعاصمة واشنطن.

لفتني أن بيرنز أفرد فصلاً كاملاً لسنوات بيكر مع بوش الأب. ووصفها بأنها ديبلوماسية قائمة على العقلانية، وعلى إعطاء الأولوية للحوار والعمل الديبلوماسي طويل النفس، حتى عندما كان الضغط السياسي يدفع باتجاه المواجهة أو استخدام القوة. وأن الشرعية الدولية والمصداقية مع الحلفاء عناصر أساسية في نجاح السياسة الخارجية.

وإذا كان الأميركيون لا يزالون يجدون في رجل تجاوز الخامسة والتسعين مصدراً للدروس والعِبر، فما الذي يمنعنا نحن من الاستفادة من أمثال هؤلاء بيننا؟

كم لدينا من أمثال جيمس بيكر في الكويت؟

أين أولئك الذين شهدوا الاستقلال عام 1961، وعاشوا صدمة الغزو عام 1990، ورأوا بأعينهم محطات كان فيها مستقبل الكويت على المحك كعراق ما بعد 2003. أين هم اليوم؟

إن غياب أصواتهم يضعف الذاكرة الوطنية. فوجودهم ليس ترفاً، بل ضرورة. هذه الفئة تحمل خبرة مباشرة في بناء الدولة وإدارة الأزمات الكبرى. تعرف ما الذي يهدد الدولة على المدى الطويل، وما الذي يحميها، وكيف يقرأ العالم إشارات الكويت.

هؤلاء يعرفون من التجربة أن الاستقرار لا يُقاس بالهدوء الظاهري وحده، وأن غياب التوازنات قد يفتح على أزمات خطيرة.

إنهم يملكون القدرة على ربط الماضي بالحاضر، وعلى قراءة التحديات المقبلة بعين من جرّب إدارة المصير الوطني تحت الضغط.

إن وجود هؤلاء في المشهد العام ضرورة وطنية. فالكلمة التي تخرج منهم ليست صدى انفعال، بل حصيلة عمر كامل من التجربة. ومن حق الدولة أن تختلف معهم، لكن من واجبها أن تسمع لهم وتمنحهم المساحة. مسؤولية مجلس الوزراء أن يفتح لهم المنصة، وأن يتسع صدره لمرارة صدقهم. فجرعة الحقيقة التي يقولها مُحب، مهما كانت قاسية، تظل أهون من صدمة أخطاء متراكمة لا يُكتشف ثمنها إلا بعد فوات الأوان.

@Abdulaziz_anjri

آخر الأخبار