يشهد العالم تزايداً في الإضطرابات السياسية والنزاعات المسلحة وحروب التجارة الدولية، وهي أحداث تشبه الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية، وتُنبىء بأزمات مقبلة.
نمو بطئ، وتضخم مرتفع، ومديونية تفوق الناتج المحلي الإجمالي، ثالوث يعصف بأكبر اقتصادات العالم، ويُحكِم قبضته على الاقتصاد، وكل واحد في الثالوث يشكل مشكلة بحد ذاته، ويدفع المحللين إلى التكهن بقرب أزمة عالمية، إذا بدأت واستفحلت ستكون أكبر تأثيراً وأشد وطأة من أزمة الكساد الكبير في عشرينيات القرن الماضي، وسواء أصابت تلك التكهنات أم لا، سيبقى ذلك الثالوث يؤرق الجميع، الدول المتقدمة والنامية، ويعطي الانطباع بأننا نعيش في عالم "مُضطرب".
ويتأكد ذلك بما تشهده الدول النامية من أوضاع اقتصادية وتنموية صعبة، وفرص ضائعة تجعل منها عرضة لآثار وتقلبات اقتصاد عالمي مضطرب، تكون فيه الأكثر تأثراً بعد أن أضاعت العديد من الفرص التي كان بالإمكان استغلالها لبناء اقتصادات أكثر منعة. فالتضخم العالمي، واضطراب سلاسل الإمداد، وتذبذب أسعار الطاقة، وتباطؤ نمو الإقتصاد العالمي، والتغير المناخي، والبطالة، والمديونية المرتفعة، ستزداد وطأة عليها.
والتحولات التكنولوجية السريعة، والتفاوت في توزيع الثروة أدى إلى اتساع الفجوة بين الدول المتقدمة والنامية، وأصبحت الثانية
"لا حول لها ولا قوة" في اقتصاد عالمي معقد تتحكم فيه السياسة والحروب التجارية، وتجعله أكثر هشاشة أمام الأزمات.
وإذا كان العالم احتوى الأزمة المالية العالمية خلال خمس سنوات من استفحالها عام 2008، ففي ظل ما سلف، فالأزمة المقبلة ستكون أكثر تعقيداً، وقد يطول أمدها، وتتعدد أبعادها.
وإذا انتقلنا من اقتصاد عالمي مضطرب إلى عالم السياسة الدولية، سنرى أن الثاني ليس مضطرباً فقط، إنما هو صعب، تملؤه بؤر التوتر، ويهز أركانه الصراع على الثروة والنفوذ، وتحولت فيه العولمة إلى هيمنة، وأصبح مكاناً غير آمن، خصوصا للدول الصغيرة.
يشهد اليوم أعلى مستوى من النزاعات المسلحة منذ الحرب العالمية الثانية، بما يصل إلى 56 نزاعاً، منها ما هو مسلح، ومنها بؤر عالية التوتر، وهو قريب من الإشتعال.
وعندما عنونتُ مقالتي هذه "عالم مضطرب" لم يكن ذلك من بنات أفكاري، بل هو عالم يفصح عن مكنوناته، واضطرابه. إن "مُضطرب" تحمل في معناها ومبناها عدم الانتظام والإرتباك والقلق والإختلال.
عالم اختلط فيه الحابل بالنابل، والعدو بالصديق، والديبلوماسية بالعنف، والتعاون بالهيمنة، وصدق فيه وصف المفكر هانز مورغانثو في القرن الماضي أنه "عالم القوة".
إن وصف عالمنا اليوم بـ"المضطرب" ليس وصفا تحليلياً مبسطاً، أو تنظيراً مبالغاً فيه، بقدر ما هو حقيقة معقدة، فالنزاعات في هذا القرن ليست مجرد أزمات محلية، يمكن حلها بمفردها، بل هي جزء من شبكة من علاقات دولية متداخلة، ومترابطة من المصالح السياسية والاقتصادية، والتأثيرات كذلك ليست محلية، فكل نزاع يؤثر على التجارة الدولية، وسلاسل الإمداد العالمية، والطاقة، والاقتصاد الرقمي، والأمن السيبراني، والغذاء، فتلك جميعا تتأثر بواقع الإضطراب المعقد.
والحلول التقليدية للنزاعات مثل المفاوضات والوساطات تنخفض جدواها بسبب تعدد أطراف النزاع والمصالح، وحرب روسيا- أوكرانيا مثال حي.
ولعل الإنفاق على التسلح مؤشر واضح على ارتفاع حالة التوتر العالمي، إذ بلغ الإنفاق العسكري العالمي نحو 2.7 تريليون دولار عام 2024، وهو أعلى مستوى وصل إليه، مشكلاً بذلك نحو 2.5 في المئة من الناتج الإجمالي العالمي.
وتستحوذ الدول العظمى الثلاث، الولايات المتحدة والصين وروسيا، على جُل هذا الإنفاق، ما يعني أن هذه الدول عادت إلى "سباق التسلح" الذي عملت، هي نفسها، على الحد منه نهاية القرن الماضي، مما يزيد من النزاعات، ويشكل تهديدا للأمن والسلم العالميين.
ولا ريب، أن 2.5 في المئة من الناتج الإجمالي العالمي نسبة معتبرة، وكلفة كبيرة على الإقتصاد الذي لم يصل نموه لهذه النسبة لسنوات خلت، ولو تحول ذلك لدعم التنمية في الدول النامية لجاءت بنتائج مهمة تدعم السلام العالمي.
ومن غير الدقيق الاعتقاد بأن العون الإنمائي الدولي بعيد عن تقلبات السياسة الدولية، فإذا تحرينا المساعدات التي يقدمها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وكل منهما وليد إتفاقيات "بريتون وودز" عام 1944، بمبادرة من القوى الصناعية الكبرى وتحت هيمنتها، الولايات المتحدة والدول الغربية، سنجد أن سياسات التمويل في هاتين المؤسستين تقع في هذا الإطار، وتمتلك الولايات المتحدة قوة تصويتية موجهة ومؤثرة تعادل 16.5 في المئة من الأصوات صندوق النقد، ما يمنحها نفوذا واسعا في التأثير على سياسات الإقراض وإشتراطاته.
إن هذا الوضع قطعا لا يخدم السلام العالمي ويكرس سياسات التفوق والهيمنة، كما لا يتسق مع نظام ديمقراطي عالمي يكفل مصالح الضعفاء. ولنا أن نتخيل حجم مرارة الدول التي تسعى إلى تمايز في السياسة الدولية وتكون، في الوقت ذاته، بحاجة للمساعدات من هاتين المؤسستين، والأشد مرارة وضع تلك الشعوب الفقيرة في مختلف أقاليم العالم التي تعاني من الفاقة والعوز، وشح مستلزمات الحياة، وتُزجُّ في آتون صراعات دولية لا ناقة لها فيها ولا جمل.
إن وضع المساعدات الإنمائية الدولية يضيف مزيدا من التعقيد لمشهد دولي مضطرب و معقد أصلاً.
فالنظام العالمي اليوم يعيش حالة اضطراب غير مسبوقة، وتتجاوز الأزمات والنزاعات التقليدية، التي شهدها سابقا، وحالة تتلاقى فيها التوترات والنزاعات الجيوسياسية مع الاختلالات الاقتصادية والمنافسة على التسلح والتكنولوجيا، ومصادر الغذاء والمياه، إنه بالفعل عالم "مُضطرب" تلوحُ فيه الأزمات من كل حدبٍ و صوب.
المدير العام السابق للمعهد العربي للتخطيط