الجمعة 01 مايو 2026
30°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
2026/ 2030  مسارات تنموية ملحة
play icon
كل الآراء

2026/ 2030 مسارات تنموية ملحة

Time
الاثنين 10 نوفمبر 2025
د.بدر عثمان مال الله

تمثل السنوات الخمس 2026/ 2030 تحدياً كبيراً أمام مسيرة التنمية الوطنية والتغلب عليه، ومعالجة ما يشمله من قضايا تنموية ملحة ستحقق نقلة مهمة نحو مستقبل إقتصادي آمن وقادر على احتواء الصدمات الاقتصادية والمالية، والصمود أمام تقلبات الاقتصاد العالمي وأزماته.

الحقيقة أن هذه القضايا، مهما كانت صعوبتها، فإن كل ما يتطلبه التغلب عليها هو إدارة اقتصادية متمكنة، وسياسات مالية متوازنة، وتخطيط فعال للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وإذا اجتمعت الثلاث فإن كل أمر هيِّن، وكل طريق ممهد.

أربعة مسارات مطلوب التقدم فيها، فيها مصلحتنا الوطنية وإقتصادنا الوطني. وهي؛ الاستدامة المالية، والتنويع الاقتصادي الحقيقي، وتطوير رأس المال البشري، والتحول الرقمي.

هذه المعادلة المربعة تضفي على اقتصادنا الوطني مِنعة ومتانة. ونحن نعمل على التقدم فيها، سوف تظهر العديد من تفاصيلها وجزئياتها، وبمعالجتها كلها مجتمعة ستكون التحديات التي تواجهنا سهلة المعالجة، وما كان صعبا يصبح أسهل، وتكون الطريق أيسر لتحقيق أهدافنا الوطنية.

أما مسار الاستدامة المالية فرغم صعوبته، وتعدد التفاصيل فيه وعلى جانبيه، فهو مسار لابد من التقدم فيه، إذ أن ذلك سيدعم التقدم في باقي المسارات. وهذا المسار يتطلب إصلاح المالية العامة، والتصحيح التدريجي لإختلالاتها، وتقليص الإنفاق الجاري، والنمو التدريجي للإنفاق الرأسمالي، وضبط العجز من خلال ترشيد الإنفاق والدعومات، وضبط الباب الأول من الموازنة، لأن استمراره ونموه يعني استنفاد الاحتياطي، أو اللجوء إلى الاقتراض، وكل منهما يُثقل المالية العامة.

إن التقدم في هذا المسار يتطلب كذلك التقدم بشكل مواز في مسارات أخرى ذات صلة وثيقة.

والتنويع الاقتصادي ومصادر الدخل، والذي يعتبر مسألة مهمة خصوصاً لمالية عامة ونمو اقتصادي مدفوعين بالإيرادت النفطية، ويمكن هنا الإشارة إلى أهمية تنويع الإيرادات بأدوات مثل الرسوم، والضرائب المعتدلة والتدريجية، وتحسين التحصيل، وإعادة هيكلة الدعم وترشيده نحو الفئات المحتاجة، وإصلاح هيكل الرواتب في القطاع الحكومي، وضبط نمو التوظيف العام، وإدارة احترافية للدين العام، كل ذلك يمكن أن يسهم في الاستدامة المالية، ويحقق تصنيفا ائتمانيا قويا، واستقرار العملة.

من جهة أخرى، فإن التنويع الاقتصادي هو القاعدة والمنطلق لتنويع مصادر الدخل، ومكون أساسي للإصلاح الاقتصادي ودون برامج ومشاريع حقيقية للتنويع، الرأسي والأفقي، سيبقى النفط المحرك الوحيد لاقتصادنا، بما يحمله ذلك من مخاطر على النمو والاستقرار الاقتصادي، والتنويع هو الآلية لاحتواء الصدمات النفطية، وتحسين وضع الميزان التجاري، وخلق فرص عمل، وتعزيز مساهمة القطاعات الانتاجية في الناتج المحلي الإجمالي.

كيف نُنوِّع؟ إذا استثنينا القطاع النفطي الذي شهد تنويعا مهما، فإن التنويع ينبغي أن يركز على القطاعات غير النفطية، على رأسها الزراعة والصناعة والطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية والموانئ، والتمويل، والسياحة والصناعات الخفيفة والتكميلية، ففرص وأنشطة التنويع لا حصر لها، وكلها تحقق نجاحات إذا ما تم تطوير حقيقي لبيئة الأعمال وإتاحة مساحة واسعة للقطاع الخاص.

القضية الأخرى، وذات الصلة، هي التقدم في تكوين رأس المال البشري، وهذا يعني مهارات، معرفة، كفاءة، إنتاجية، وتلك العناصر في الاقتصاد الحديث تحدد دور الإنسان في الإنتاج والتنمية، والتقدم فيها يؤدي إلى تقدم الإنتاج والتنمية.

وبطبيعة الحال، ان تلك العناصر تتطلب نظاما تعليما، أساسيا وعاليا، قادر على أن يواكب الحداثة ويفي بمتطلبات سوق عمل حديث.

إن أكثر من 65 في المئة من السكان دون سن 35 سنة، وجلهم يعملون في القطاع الحكومي في مهن إدارية لا تنتج قيمة مضافة عالية.

إن الانتقال لاقتصاد حديث يتطلب المعرفة والكفاءة والجدارة والجودة في الأداء البشري، وفي تقديري ان التعليم، العام والعالي، بعيد عن تحقيق ذلك، وإذا تم الاستثمار الجاد في الإنسان، فسيكون رأس المال البشري هو "النفط الجديد".

أما رابعها، فهو التحول الرقمي الذي لم يعد خيارا بل ضرورة يحتمها الاقتصاد الحديث والإدارة العصرية، وهو مكون أساسي في رؤية "الكويت 2035" ومحوره "الحكومة الذكية واقتصاد المعرفة".

إنه ليس مجرد معاملات حكومية إلكترونية، فهو أبعد وأشمل، فهو تحول في الإدارة، والإنتاج، والخدمات، والثقافة والسلوك المجتمعي، وسيسهم في تقليل البيروقراطية، والحد من الفساد الإداري، ورفع كفاءة الخدمات لتكون أقل تكلفة، وأكثر سرعة في الإنجاز والشفافية، ووضع أسس اقتصاد المعرفة والابتكار، وتحسين جودة الحياة، وزيادة الثقة بمؤسسات الدولة.

إن الإسراع في هذه المسارات ليس خياراً بقدر ما هو ضرورة ملحة يتطلبها النهوض في الاقتصاد وتعزيز الإنجازات التنموية، وهو ضرورة وطنية تمليها متطلبات الحاضر واستحقاقات المستقبل، والتأخر في هذه المسارات، يعني المزيد من الفرص الضائعة التي لم يعد ممكنا تحمل نتائجها في عالم يشهد تغيرات سريعة ومنافسة شديدة وحروبا تجارية ضارية.

إن الركب العالمي يمضي سريعا ولا بد من اللحاق به حتى لا نكون في آخر الركب. إن الإسراع في وتيرة الإصلاح المالي والاقتصادي، وتحديث البنية التحتية، وتطوير رأس المال البشري، وإصلاح التعليم، والتحول الرقمي هي، مجتمعة، ضمان الاستدامة، وطريق مهم لتحقيق رؤية "الكويت 2035"، التي لم يبقَ منها سوى عشر سنوات، لذلك فإن الخمس سنوات هذه تضعنا على المحك لنتمكن في الخمس التالية من استكمال أهداف هذه الرؤية، وإذا لم نتمكن من ذلك، لا قدر الله سبحانه، أخشى أن تكون رؤيتنا الوطنية حبر على ورق، وهذا ما لا نريده جميعنا.

المدير العام السابق للمعهد العربي للتخطيط

آخر الأخبار