ترشّح روسيا لعضوية المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية يثير دهشة المراقبين واختباراً لضمير العالم، إذ يُعقد خلال الفترة من 24 إلى 28 نوفمبر الجاري مؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية، وستُجرى انتخابات المجلس التنفيذي للفترة 2026–2028.
وما كان هذا الحدث ليحمل طابع المفارقة لولا أن الاتحاد الروسي قرّر الترشّح لمقعد في هذا المجلس الذي يُفترض أن تمثّل عضويته التزاماً صادقاً بمبادئ الاتفاقية وأهدافها. غير أن السلوك الروسي في السنوات الأخيرة يجعل هذا الترشّح شبيها بالمثل الشعبي القائل:"يقتل القتيل ويمشي في جنازته".
منذ الاجتياح الروسي لأوكرانيا عام 2022، توالت التقارير الدولية التي توثّق استخدام مواد كيماوية وعوامل مكافحة الشغب المحظورة في النزاعات المسلحة. فقد قدّمت أوكرانيا، بين عامي 2023 و2025، بيانات تفيد بوقوع هجمات متكررة استخدمت فيها ذخائر تحتوي على عوامل كيماوية، وأبلغت عن إصابات وأعراض تنفّسية في صفوف الجنود والمدنيين.
كما أجرت منظمة حظر الأسلحة الكيماوية ثلاث زيارات فنية، في نوفمبر 2024 وفبراير ويونيو 2025، أكدت خلالها وجود آثار لعوامل مكافحة الشغب في عينات أُخذت من مواقع القتال في منطقة دنيبروبتروفسك شرق أوكرانيا، وهو ما يُعد انتهاكاً صريحاً للمادة الأولى من الاتفاقية التي تحظر استخدام هذه العوامل كأسلحة حرب.
شملت التقارير الأوكرانية والدولية مناطق ومدن عدة، من بينها خاركيف وميكولايف ودونيتسك ولوغانسك وزابوروجيا وخيرسون، إضافة إلى كييف وسومي وأوديسا وتشيرنيغوف وبوتشا، حيث وُثّقت عمليات قصف باستخدام ذخائر عنقودية وصواريخ محرّمة دولياً أودت بحياة مدنيين وألحقت أضراراً جسيمة بالبنى التحتية.
كما نشرت وسائل إعلام عالمية وتحقيقات مستقلة نتائج تحليل العينات التي بيّنت وجود مواد كيميائية محظورة في مواقع متعددة.
ولا يقتصر سجل الانتهاكات الروسية على أوكرانيا وحدها، بل يمتد إلى سورية، حيث وثّقت منظمات مثل "هيومن رايتس ووتش" والعفو الدولية استخدام أسلحة محرّمة في الغوطة الشرقية وداريا وإدلب وحلب وحمص، ما أسفر عن مئات الضحايا المدنيين.
كما تُذكّر الذاكرة الدولية بما جرى في تشيشنيا وغروزني في التسعينيات، حين استخدمت القوات الروسية قنابل حرارية وفراغية مدمّرة، إضافة إلى ما ورد في حرب جورجيا عام 2008 بشأن استخدام الذخائر العنقودية في غوري ومناطق أخرى.
تؤكد هذه الوقائع، الموثّقة بالأدلة الميدانية والتحقيقات الفنية، أن ترشّح روسيا لمجلس تنفيذ منظمة حظر الأسلحة الكيماوية يشكّل امتحاناً حقيقياً لمصداقية النظام الدولي القائم على القانون.
فالاتفاقية نصّت بوضوح على أن عضوية المجلس ينبغي أن تُمنح للدول التي تُظهر التزاماً كاملاً بمقاصدها، لا لتلك التي تواجه اتهامات متكرّرة بانتهاكها.
وأود التأكيد على أنّ موقف المجتمع الدولي اليوم ليس محايداً، بل هو اختبارٌ حقيقي للالتزام بالقانون الدولي وحقوق الإنسان. وأتمنى أن تقف دول العالم، وبخاصة الدول العربية، بكل قوة ضد ترشّح روسيا لهذا المنصب، وأن تعبّر عن رفضها لأي محاولة لتبييض سجل دولة استخدمت الأسلحة المحظورة ضد المدنيين. فالمبادئ التي تقوم عليها اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية لا يجوز أن تُساوم أو تُغفل تحت ضغط المصالح السياسية، ويجب أن يكون للضمير الدولي صوتٌ واضح يحمي الأبرياء ويؤكد أن الانتهاكات لا تمرّ دون مساءلة.
إنّ ما يجري اليوم لا يقتصر على مسألة مقعدٍ في مجلسٍ تنفيذي، بل يُمثّل اختباراً لضمير العالم وقدرته على حماية المبادئ التي أُقيم عليها النظام الدولي.
فحين تُقابَل الأدلة بالصمت، ويُكافأ من استخدم السلاح المحظور بعضوية في الهيئة التي يفترض أن تحاسبه، يصبح القانون غطاءً للمنتهكين بدل أن يكون رادعاً لهم. والمطلوب اليوم موقف يقظةٍ ومسؤولية، يعبّر بوضوح عن أن لا مكان في مؤسسات العدالة الدولية لمن جعل من المحظور أداة حربٍ ضد الأبرياء.
كاتب كويتي