لوحظ وجود عدد كبير من الهيئات والمؤسسات الحكومية المعنية بحقوق الطفل والأسرة، والعنف الأسري في الكويت، ورغم تنوع أسمائها واختصاصاتها المعلنة، إلا أن الملاحظة الأساسية هي أن جميعها تهدف في جوهرها إلى غرض واحد يتمثل في حماية الطفل ورعايته، وحفظ حقوقه.
لكن مع التدقيق في طبيعة هذه المؤسسات يتبين أنها تكلف الدولة مبالغ كبيرة، سواء من حيث البنية التحتية أو الكوادر الوظيفية، التي تشمل مديرين ورؤساء وأعضاء متعددين ومقرات، وفي الواقع يبدو أن هذا التعدد ليس له ضرورة فعلية، بل يخلق ازدواجية وتعقيداً في الأداء، وربما يفتقر للجدوى العملية، بل إن هذا الكم من المؤسسات والهيئات، تُستغل لتوظيف عشرات، بل مئات الأفراد على مختلف المستويات الوظيفية، بما يبدو وكأنه هدفها الرئيسي توفير وظائف للمستفيدين منها، أكثر من حماية الطفل فعلياً.
ومن الغريب أن دولتنا الحبيبة تمتلك قانوناً كاملاً خاصاً للطفل يختص برعايته وحفظ حقوقه، ويحدد الإجراءات اللازمة لحمايته، وهو قانون كافٍ من حيث الإطار التشريعي والآليات التنفيذية، ما يجعل السؤال مشروعاً: لماذا هذا الكم الهائل من الهيئات والمؤسسات المكررة، ما هو الهدف الحقيقي من هذا التعدد؟
الأمر يصبح أكثر وضوحاً إذا نظرنا إلى بعض التطورات الأخيرة، فقد لوحظ استخدام بعض هذه الهيئات كمنصات لممارسة ضغوط على الآباء، تحت ذريعة حماية الطفل، فقد شهدت الساحة اجتماعات متكررة وخطابات موجهة للعديد من الجهات يدّعي فيها بعض الأفراد، وبخاصة النساء، أن الطفل معرض للانتهاكات من الآباء، ولابد من حمايته من أبيه!
بينما يظهر الواقع أن الهدف الأساسي من هذه الحملات هو حرمان الآباء من أبنائهم، وإعطاء الحاضنات السلطة المطلقة في تربية الأطفال، بغض النظر عن المصلحة الحقيقية للطفل.
وهنا يثار السؤال الأهم: أي مصلحة للطفل في بعده عن أبيه، وحرمانه من الرعاية الأبوية المتوازنة؟
فالطفل يحتاج إلى تربية متكاملة تشمل كلا الوالدين، وليس مجرد وجود جانب واحد على حساب الآخر، وقد تؤدي هذه الممارسات إلى أضرار نفسية واجتماعية للأطفال، وتفقّدهم استقرارهم الأسري بدلاً من تعزيز حمايتهم.
بيد أنه أضحى جلياً أن تعدد الهيئات والمؤسسات الحكومية المتعلّقة بالطفل الأسرة والعنف الأسري، لم يكن له تأثير إيجابي مطلقاً على حماية الطفل، بل أصبح يمثل عبئاً مالياً وإداريا على الدولة، وفرصة لتوظيف كوادر إضافية، بما يثقل كاهل الدولة ويخلق عبئا مالياً عليها، وربما أداة استغلال في بعض الحالات، فالمصلحة الحقيقية للطفل لا تتحقق إلا من خلال تفعيل القانون القائم بفعالية، وضمان توازن العلاقة بين الوالدين، وتقليل التداخل والتكرار في المؤسسات والهيئات ودمجها في هيئة واحدة عامة، تعنى حقيقة بمصلحة الطفل، ولا يكون لها مآرب أخرى بما يضمن حماية الطفل، دون إساءة استخدامها كمنصات وأبواق إعلامية لمحاربة الآباء.
ومن التطورات اللافتة أيضاً انعقاد مؤتمر حديث كان يفترض أن يعزز مصلحة الأسرة وحماية الطفل، إلا أن ما تم الكشف عنه بهذا المؤتمر كان صادماً، إذ أظهر مستوى لافتاً من التحيز ضد الرجل حين أظهرت السيدة أمينة المجلس الأعلى لشؤون الأسرة- وهي مؤسسة حكومية رسمية معنية بالأسرة بعامة، وبحقوق الطفل– والتي أظهرت موقفاً منحازاً ضد الرجل ومحاباة المرأة، فقد صرحت بالحرف الواحد بأن "هدفنا الأسرة وتمكين المرأة والدفاع عنها ضد العنف الأسري واللفظي تجاهها"، مما يوحي بأن المسؤولية عن العنف تقع حصرياً على الرجل فقط، بينما تغض البصر عن احتمال كون المرأة هي الطرف المعتدي أحياناً سواء لفظيا أو حتى جسدياً.
إن تركيز رئيسة المؤسسة على العنف ضد المرأة فقط دون الإشارة إلى العنف الذي قد تمارسه المرأة يعكس تحيزاً واضحاً، وهو ما يتعارض مع الغرض الأساسي لهذه المؤسسة الحكومية التي يفترض أن تقف على مسافة واحدة بين جميع أطراف الأسرة المكونة من أب وأم وطفل، بهدف وضع السياسات والخطط المتعلقة بالأسرة، وحماية حقوق الطفل ودراسة قضايا الأسرة والعمل على تقديم توصيات للحكومة في هذا الشأن.
ويجب ألا يكون هدفها الأساسي تمكين المرأة على حساب الرجل، كما أشار تصريحها، بل يجب عليها العمل على حماية الأسرة بكاملها، وتحقيق توازن حقيقي بين جميع الأطراف، لكن ما حدث في المؤتمر يعكس، للأسف، كيف يمكن لبعض الهيئات الحكومية أن تتحول من أدوات حماية الأسرة إلى منصات تحيزية تهدد التوازن الأسري، وتهمش دور الأب في رعاية الأطفال.