هل يمكن لدولة عربية أن تُنشئ أول جامعة شاملة في العالم تُعنى بكل فئات ذوي الاحتياجات الخاصة، وتكون مرجعية في إعداد المعلمين والمترجمين والميسّرين لهم؟
وهل يمكنها أن تجمع بين العلوم الإنسانية، والتقنيات المساندة، وتأهيل الطيف الكامل من الإعاقات السمعية والبصرية والحركية واضطرابات التواصل تحت سقف واحد؟
هذا السؤال أصبح اليوم أكثر إلحاحاً، بعد أن نشرنا الأسبوع الماضي مشروع "الجامعة الأولى لذوي الاحتياجات الخاصة للعلوم الإنسانية والتقنيات المساندة"؛ فانهالت التعليقات، أهمها تعليق الصديق العزيز الدكتور مبارك الذروة، الذي أرسل مقالتي لبعض المنصات العلمية والأكاديمية، فأرسل له الدكتور عبدالرحمن بن حمود الهذلول من الرياض رابط جامعة "غالوديت" الأميركية، وقال: "مقاربة في الهدف".
فهل الأمر كذلك فعلًا؟
جامعة "غالوديت" ليست جامعة تقليدية، فهي المؤسسة الوحيدة في العالم المصممة بالكامل للصم وضعاف السمع، وتعمل في بيئة ثنائية اللغة (ASL والإنكليزية)، ولها تاريخ طويل في الدفاع عن حقوق الصم، وتخريج المعلمين والمترجمين المتخصصين، إضافة إلى مركز بحثي مهم هو"Clerc Center".
لكن "غالوديت"، رغم عظمتها تبقى متخصّصة رأسياً في الإعاقة السمعية فقط، وليست جامعة شاملة لكل الإعاقات.
عند النظر إلى العالم نجد ثلاث تجارب بارزة:
1- اليابان، "تسوكوبا" للتكنولوجيا، وهي الجامعة الوطنية الوحيدة المتخصّصة في تعليم الطلاب ذوي الإعاقة السمعية والبصرية حصرياً، مع تركيز كبير على التقنيات المساندة والبحث في الإتاحة.
2- الهند، جامعة الدكتورة شاكونتالا ميسرا الوطنية لإعادة التأهيل، وهي حكومية تُخصّص 50 في المئة من مقاعدها للطلاب ذوي الإعاقة، وتخدم فئات متعددة، لكنها ليست جامعة شاملة للطيف الكامل.
3- روسيا، جامعة موسكو الحكومية للعلوم الإنسانية والاقتصاد.
بدأت كجامعة لذوي الإعاقات الحركية، ثم تحولت مركزاً للتعليم الشامل، مع بقائها مركّزة أساساً على الإعاقة الحركية.
وفي أوروبا وأستراليا، لا توجد جامعات مخصّصة بذاتها لذوي الإعاقة؛ بل هي عامة تعتمد سياسات دمج قوية، وتقدّم برامج متقدمة داخل مؤسسات كبرى مثل "يونيفرسيتي كوليدج لندن"، وجامعة "ترينيتي" في دبلن، وجامعة "هومبولت" في برلين.
كما توجد مدارس للصم في أستراليا مثل "كلية فيكتوريا" للصم، لكنها ليست جامعات متخصصة.
رغم قيمة هذه التجارب، فإنها، مثل جامعة "غالوديت"، تبقى متخصّصة في فئة أو فئتين فقط، وليست جامعات شاملة للطيف الكامل من الإعاقات.
أين نلتقي مع "غالوديت" وأين نفترق؟
هناك نقطتا تشابه بين مشروعنا معها:
● أولًا: إعداد المعلمين والمترجمين والميسّرين: فـ"غالوديت" رائدة في تخريج معلمي ومترجمي لغة الإشارة، وهذه الفكرة تشكل أحد أعمدة مشروعنا لسدّ العجز العربي الكبير في الكوادر المتخصصة.
ثانياً: البيئة التعليمية المهيّأة بالكامل: من قاعات مناسبة، وتقنيات مساعدة، ودعم أكاديمي، وهذا عنصر أساسي سنبنيه في مشروعنا أيضاً.
لكن نقاط الاختلاف هي التي تُعطي مشروعنا قيمته العالمية:
1- الشمول لا التخصص، فجامعتنا لا تُبنى لفئة واحدة، بل للطيف الكامل لذوي الاحتياجات الخاصة: الإعاقة السمعية، والبصرية، والحركية، واضطرابات النطق واللغة، وصعوبات التعلم، والتوحد، واضطرابات التواصل، وهذا الاتساع لا يوجد في أي جامعة بالعالم.
2- إعداد المعلمين لكل الفئات كرسالة مؤسسة: مشروعنا يجعل من إعداد المعلّمين والمترجمين، والميسّرين جوهر الرسالة،لا مجرد برنامج دراسي.
نريد معلّمين يجيدون: لغة الإشارة العربية، الـ"برايل" العربي، التواصل المعزّز والبديل، الترجمة البينية، وإدارة الصف الدامج.
وهذا ما تحتاجه مدارسنا منذ عقود.
3- جامعة تجمع الإنساني والتقني في منظومة واحدة
ليست تربية خاصة فقط، بل جامعة: للعلوم الإنسانية، وسياسات الدمج، وأنظمة الإتاحة، والتقنيات المساندة، والابتكار في الأجهزة والبرمجيات، والبحوث التطبيقية. إنها جامعة فكر وتكنولوجيا في وقت واحد.
4- مدينة جامعية ذكية: المشروع يتطلع إلى مدينة جامعية ذكية تضم: سكناً مهيأ، مختبرات واقع ممتد، معامل "برايل"، وحدات الترجمة الفورية، مراكز "AAC"، مدرسة تطبيقية، ومركزاً وطنياً للبحث والتدريب. ويمتد أثر الجامعة خارج أسوارها إلى المدارس، والمؤسسات، والوزارات.
5- موقع ريادي عربي غير موجود اليوم: لا توجد في العالم العربي جامعة شاملة بهذا المفهوم.
لدينا أقسام ومبادرات، لكن جامعة كاملة للفكرة؟ غير موجودة.
وإن تأسست، ستكون الأولى عربياً، وربما عالمياً.
● الخلاصة: نحن لا نكرر "غالوديت" نحن نتجاوزها،فهي تستحق التقدير، لكنها جامعة للصم فقط.
أما مشروعنا فيتسع للصم، والبكم، والمكفوفين بصراً، وذوي الإعاقات الحركية، واضطرابات التواصل، وصعوبات التعلم، والتوحد، وللمعلمين والمترجمين والميسّرين، والباحثين والمبتكرين في التقنيات المساندة.
نستلهم التجارب العالمية، لكننا لا نكررها، نحن نصنع نموذجاً عربياً جديداً في الشمول والدمج وحق الإنسان في التعليم، بلا عوائق.
إنها الجامعة التي يمكن أن تجعل الكويت، أو السعودية أو قطر أو الإمارات أو البحرين، أو سلطنة عُمان في مقدمة العالم في التعليم الشامل... والله ولي التوفيق.