في البداية، ينبغي المباشرةُ بتعريفٍ موجزٍ لمُفرَدَتَين متناقِضَتَين هما الوِفاق، والنِّفاق.
فالوِفاقُ يعني الانسجامَ، والملاءَمَة، وتَطابُقَ الأفكار، وصولاً الى التَّعاهد. وقد اشتُقَّ من مفهومِ الوفاقِ الإيجابي فِعلُ "وَفَّقَ" أي أَصلَحَ بين النّاس، وكذلك دُعاءُ "مُوَفَّق" أي تَمَنّي الخَير. فالوفاقُ، إذاً، هو صَبُّ الإلفةِ في قوالبِ الناس، توصُّلاً الى اجتماعِهم على مُرادٍ مُعَيَّن، والتِقائِهم حولَ أهدافٍ واحدة.
أمّا النّفاقُ فهو اظهارُ الشّخصِ عكسَ ما يُبطِنُ، كإخفاءِ الكفرِ بالقلب، وإظهارِ الإيمانِ باللسان، مثلاً. أمّا في العلاقاتِ بين الناس، فالنّفاقُ يعني أن يُضمِرَ الواحدُ الحقدَ والكرهَ، ويُبدي المُصادقةَ والمحبةَ، كَذِباً.
وقد اشتُقَّ من مفهومِ النّفاقِ السَّلبي فِعلُ "نَفَقَ" للبَعيرِ وما شاكلَهُ من أصنافِ الحيوان، أي ماتَ وقَضى، وكذلك، دعوةٌ الى التَنَبُّهِ والحَذَر: إيّاكَ والنّفاقَ، فإنّه يُفسِدُ النّفس.
ما يدفعُ الى مقاربةِ موضوعِ الوفاقِ، في يومِنا البائس، هو ما يُعرَضُ على لبنان من فرصةٍ مُمكِنةٍ لنجاتِه من أتون الموت. أمّا كَسرُ البعضِ هذه الفرصة اليتيمة، فهو تسليمُ القيادةِ الى فَحيحِ المصادَمة، وفي ذلك تأشيرةٌ لزلَّةٍ توسِّعُ المِزقَ في آمالِ النّاس التّائقين الى الخلاص.
إنّ التَّشرذمَ بين أفرقاءِ الوطن، والذي جعلَ الحِراكَ الإصلاحي حائطاً ضعيفاً نَفَذَت سِهامُ كارِهيهِ، فيه، الى مراميها، وحَكَّمَت مخالبَ المَكارِهِ في جسمِهِ الضّعيف، قد خلعَ عن الوطنِ سلامتَهُ، ليَغدوَ نازحاً عن نضارةِ الانتقال الى الفجر.
لقد قيل: تحتَ أكداسِ التّراب، يُنشَدُ كنزٌ دَفينٌ ليُعَجِّلَ بروحِ الشرِّ الى النّار. وهذا يعني أنّه لا نزال، ربّما، نأملُ في أنّ الوطنيّين لمّا يزلْ يتأجّجُ جَمرُهم، وليسوا بحاجةٍ إلّا لِكَشطِ الرّمادِ عنهُ، لتعودَ العافيةُ الى سَعيِهم الحميد لانتشال البلاد من قَعر جهنّم.
وإذا قالوا إنّ سلوكَ شِعابِ المحاولةِ لن يوصِلَ إلّا لخَيبةٍ، كَخُطى في الفراغ، قُلنا إنَّ مَنْ يُقَدِّمُ رِجلاً في بَلاطِ المحاولةِ يكونُ كَمَنْ يُرشِدُ ضائِعاً الى ملجأ السلامة.
إنّ الوِفاقَ نَهجٌ قَويمٌ لإطلاقِ شرارةِ الصِّلَةِ بين مُختَلِفين، وهو حركةٌ راقيةٌ تسعى الى إعادةِ التّفاعلِ بينَ أقطابٍ محكومينَ بالتّلاقي، في الأصل، وليسَ بالتَّساكُنِ الذي يحكمُهُ الخِلافُ الذي يصبُّ زيتَ التَوَتُّرِ على نارِ العدائيّةِ.
من هنا، فإنْ لم يُسرِعِ المُنتَمون الى لبنان، عن حقّ، الى المبادرةِ لرَأبِ الصَّدعِ في العلاقاتِ بين أبناءِ البيتِ الواحد، سوفَ تُعادُ عقاربُ الزّمنِ الى عصرِ التوتّر، وبالتالي، فإنّ كلَّ ما أُمِّلَ به الناسُ، من بياناتٍ خطابات، لم يكنْ سوى تَزييفٍ سافرٍ، وشعاراتٍ برّاقة في ظاهرِها، لم تُلغِ الهواجس، ولم تنقلِ المجتمعَ المُنهَكَ من واقعِ الاختناقِ الى الهواءِ النَّظيف.
إنّ التّشَرذمَ السَّرطانيَّ بين أطرافِ النّسيج الوطني، بَلَغَ بالناسِ حالَ الارتباك، وأكّدَ، وللأسف، على أنّه الثّابتُ الوحيدُ المُحَصَّنُ عندَ أغلبِ الأفرقاء.
وهذا يناقِضُ، تماماً، ما يفرضُهُ الحِراكُ الولائيّ من تَجاوزٍ للأنانيّاتِ، والانقسامِ، وعناصرِ الاختلافات، وتَواترِ المواجهات، ما ينتقلُ بالعيش المشترَك من سلاحٍ مُستَبسِلٍ الى خُردة. ولسنا، في هذا المجال، نُلقي بالمسؤوليّةِ على أركانِ السّلطةِ، ومَنْ يتحكَّمون بمفاصلِها، فقط، فما يأتونه، في هذا الصَّدَد، بديهيٌّ معلوم، إنّما نَدَّعي على البعضِ من أقطابِ النّاس، أي الذين نَحَروا، بهمجيَّتِهم المستقوية، وعن قَصد، إنجازاً استقلالياً جامعاً من شأنِهِ، إذا عُمِلَ على إحيائه، أن يُرجِعَ الأمانَ الى الوطن.
هذا البعضُ المستقوي لم يأخذْ بالاعتبارِ قَلَقَ الناس، حتى القريبين منه، فمارسَ لامُبالاته الذّميمةَ، وهي سبيلٌ ناجحٌ لإفشالِ المخطَّطاتِ الساعيةِ الى تَبديدِ هَمِّ الشّعبِ التّائقِ للعودةِ الى لبنانَ الذي عرفناه، لبنانَ الخيرِ، والصّفاءِ، والعيشِ الكريم... إنّ الاستقواء الرّابضَ في متاريسِ البعض، هو الخَلَلُ الحقيقيُّ الذي يُعيقُ ما ينبغي أن يتوصَّلَ إليه الوطنُ، اليوم، من اتّفاقٍ يُنضِجُ أملاً سليماً، واعِداً، هادِفاً الى تحقيقِ نقلةٍ وطنيّةٍ نوعيّةٍ من زمنِ الجلّادينَ الذين تآمروا على الكيان، وأفقدوا الناسَ الحريّةَ والخبزَ معاً...الى وطنِ الكرامةِ، والسيادةِ، والحقوقِ، أي الى مفهومِ الانتماءِ، والولاءِ، والدولةِ المُتَحَمِّسةِ الى التقدّمِ، ومواكبةِ رَكبِ الحضارة. لذلك، يقولُ الشّعبُ:
لا نريدُ أن نصبحَ دمعةً يصفعُها اليأسُ وهي تترجّى.
لا نريدُ أن تتحوّلَ مساحاتُ حياتِنا أسلاكاً، ومواسمَ أَلغام.
لا نريدُ أن نقعَ رُكاماً أمامَ الخلاص الموعود.
لا نريدُ أن نُصبحَ، بفضلِ استقوائكم، وَقْفَ الشّيطان...
باللهِ عليكم، لا تكونوا أسماءً مسحوقةً تحتَ أكفانِنا النّازفة، والتي لن تتوقَّفَ عن كُرْهِكم وتَقبيحِكم.
كاتب، أستاذ جامعي لبناني