في الأدبيات العربية مثلٌ شعبي يتناسب مع ما تعانيه الأوضاع الاقتصادية لدينا، وهو "لا يموت الذيب ولا يفنى الغنم"، ويدل على إمكانية التعايش بين طرفين متناقضين كي يحقق كل منهما مصلحته دون إفناء الآخر.
لكن يبدو أن مجلس الوزراء، أو وزارتي المالية والتجارة، اختاروا عكس ذلك حين رفعوا الإيجارات على المنتفعين من أملاك الدولة وشددوا عليهم، لا سيما في أسواق عدة كالمباركية وشرق والأفنيوز وغيرها، فهي تعد محركاً لتنمية الاقتصاد المحلي، وتشجيع الإنفاق الاستهلاكي، ما تسبب في انخفاضه، وأثر في الحركة التجارية عموماً.
حين ترفع الدولة الإيجارات في هذه الأسواق، لا يكون أمام المستثمر إلا الإقفال لعدم القدرة على مواكبة تلك الزيادة الإيجارية، فإن هذا الرفع مباشرة يؤدي إلى رفع أسعار السلع، وهذا ما يؤدي إلى التأثير على ميزانية الأسر، ما يتسبب في ضعف الإقبال على الشراء، أو الحد منه، وإذا استمر الوضع على هذه الحال، فإن أصحاب المحال إما يغيرون النشاط، وهذا له تكلفة كبيرة، وإما يقفلون محالهم، ما يزيد من الانكماش الاقتصادي، وتراجع الإنفاق.
لذا السؤال الواجب: هل لدى المعنيين خطة لإعادة دفع عجلة الاقتصاد إلى عافيتها، رغم تلك القرارات المجحفة بحق المستثمرين، وهل هناك إمكانية لإصلاح الخلل الذي تسببت به؟
للنظر إلى الدول الأخرى، فمعظمها تتعامل مع هذه الأمور بعكس ما يجري لدينا، فهي تمنح حوافز كثيرة للمستثمرين، ومنها عدم رفع الإيجارات على الأملاك العامة، لأن الهدف ليس فقط تحصيل الرسوم والضرائب، إنما استمرار الحركة التجارية النشطة، التي تحرك الأسواق كافة، ومنها الإعمار، وكذلك التصنيع، والقطاع الزراعي، والخدمات، وفي كل هذا تكون فائدة للدولة، لأن الهدف أن تكون الدورة المالية صحيحة، ولا تعاني من عوائق، وفي الوقت نفسه زيادة الناتج المحلي.
في تلك الدول حق الانتفاع بأملاك الدولة يبدأ من 49 ويصل إلى 99 سنة، قابلة للتجديد، بينما تبقى الرسوم على ما هي عليه حتى لا تتأثر القدرة الشرائية للناس، بل في تلك الدول، تكون هناك زيادة سنوية للرواتب تعادل نسبة التضخم، فهي تعمد إلى تشجيع الناس على الإنفاق الاستهلاكي، وتعمل على تحفيز المستثمرين على الاقتراض من البنوك، لكن بفوائد أقل، بينما البنوك المركزية لا تفرض على المؤسسات المالية التشدد في التحصيل، خصوصاً إذا كانت الرهون أكبر من القرض بضعفين أو ثلاثة أضعاف، وكذلك في تلك الدول تخفض الدولة أسعار الفائدة لخفض تكاليف الاقتراض، وتحفيز التوظيف.
ماذا جرى في الكويت؟ حين رفعت الأملاك العامة الإيجارات في الأسواق، أغلقت الكثير من المحال، وارتفعت أسعار السلع على المستهلك لتواجه ارتفاع الإيجارات، فلا الدولة استفادت، ولا المواطن ولا المستثمر.
نعم، لا أحد يعارض تحصيل الدولة الرسوم والضرائب، لكن نسبة معقولة ومنطقية، لكن في المقابل عليها ألا تؤثر في النشاط الاقتصادي، لأنه هو عماد الاستمرارية، فيما الدولة تبقى مستفيدة، وهذا يستدعي النظر جدياً في القرارات التي تسببت في كل ذلك، وأدى إلى انخفاض الإنفاق العام.
في الكثير من الدول يبدأ التشجيع من دعم المشاريع الناشئة والمتوسطة والصغيرة عبر تقديم قروض ميسرة وإعفاءات ضريبية لتمكينها من النمو وعدم ابتلاعها من الكيانات العملاقة، فالهدف هو التوازن، إذ تضمن الدولة الربح والنمو، ولا تزاحم الناس في أرزاقهم.
حكومات الدول تعمد إلى إسقاط القروض المتعثرة، أو تمديد فترات السداد، وفق ملاءة المقترض، خصوصاً إذا كان القرض لمواطن محدود الدخل، وقروض بلا رهون لموطنين محدودي الدخل.