كلوروفيل
القهوة أكثر من مجرد مشروب، فهي تحتل مكانة بارزة في الثقافة البشرية منذ القرن الخامس عشر، وأصبحت من أهم السلع الغذائية في العالم خلال الأعوام السابقة، وأثرت على اقتصاد الكثير من الدول حين اتجهت رحلة القهوة من الدول المنتجة النامية، وأهمها أثيوبيا وفيتنام واندونيسيا وأميركا الجنوبية الى حيث استهلاكها في الدول المتقدمة والصناعية بسرعة البرق.
من منا إلى الآن لا يعرف الراعي كالدي، راعي الماعز الاثيوبي وقصته الشهيرة منذ 800 عام قبل الميلاد، حين أراح رأسه قليلا على جذع شجرة لينعم بقيلولة، بينما قطيع الماعز يسرح ويمرح بين الأشجار، حتى أفاق، واكتشف حركة حماسية ونشاطا مفرطا نزل على القطيع لا يعلم مصدره الا الله.
ولاحظ التصرفات الغريبة، فما كان منه الا أن راقب أكلها فوجدها قد تغذت على حبوب توتية الشكل أقرب الى الكرزيه، وقرر أن يجربها ليجد بعدها ذلك النشاط الذي دب في ارجاء جسده.
فكانت القصة الشهيرة لاكتشاف مشروب القهوة، والذي لاقى رواجا واسعا، وانتشر انتشاراً منقطع النظير يزداد عاما بعد عام، ينافس به الشاي، والعصائر الطبيعية، واحتل مكانة متقدمة بين المشروبات حيث يعتبر ثاني مشروب بالعالم بعد الماء.
ويعد أيضا ثاني أهم سلعة اقتصادية في العالم بعد النفط، وتستخرج ثمار القهوة من نوعين من الأشجار، شجرة الارابيكا والتي تنتج 70 في المئة، وشجرة الروبوستا والتي تنتج 30 في المئة من الإنتاج العالمي للقهوة، وهي تستخلص من ثمار كرزية تحتوي على الحبوب الخضراء، والتي تعد وتحمص بنسب مختلفة من الأشقر الى الأغمق والأسود.
لقد اعتادت الأغلبية منا في الصباح على شرب القهوة بشكل مستمر، والذي بدوره أثر على رتم الحياة السريع، والروتين والانشغالات الاجتماعية، وبالتالي أثر على نمط الاستهلاك. ويذهب الفيلسوف والعالم الألماني يورغن هابرماس إلى أن القهوة هي السبب الرئيسي بصعود حركة التنوير، وتهيئة فضاء جيد وخصب إذ ادت المقاهي دورا محوريا في تحولها الى مركز للنقاش، وتشكيل الرأي العام والنقد، والمناقشة في الحوارات كافة. وبدأت المقاهي بالظهور بشكل لافت للعلن في انحاء الإمبراطورية العثمانية، وبعدها انتشرت في أوروبا، وبعدها الى الدول العربية ودول العالم عموما، وأصبحت المقاهي مركز للنقاش الاجتماعي والسياسي وأثرت على الفكر والثقافة والاقتصاد.
وأدرك رجال الاعمال قيمة القهوة لزيادة نشاطهم وانتاجيتهم في العمل، مما سمح لهم بأخذ استراحة لشربها، وبعدها انتقلت إلى كل شرائح وأطياف المجتمع، وصولا الى الطلبة والمراهقين.
لا يخفى على أحد أن القهوة غيرت مسار التاريخ، وتعد اليوم حجر الزاوية في الثقافة العالمية، فقد كانت ولا تزال جزءاً أساسياً من الحياة اليومية لملايين البشر حول العالم، ويسجل إحصاء استهلاك ما يزيد عن مليونين كوب منها بمعدل 90 مليار دولار سنويا.
ولابد أن نعلم ان الافراط فيها قد يؤثر سلبا على الصحة العامة، فالقهوة كباقي المنبهات لها وعليها، فلابد من أخذ الحيطة والحذر في معدل استهلاكها، وقد أوصى أغلب الأطباء بكوبين الى ثلاثة في اليوم قبل غروب الشمس، وإلى مستقبل أخضر مستدام، ومثمر ان شاء الله.
دكتوراة علم نبات، كاتبة كويتية