في كتابه "العرب؛ وجهة نظر يابانية"، يقول نوبوأكي نوتوهارا، المفكر الياباني "رأيت اليابان مهزومة (الحرب العالمية الثانية) كنت في الخامسة أعيش مع عائلتي في طوكيو،التي هُدمت بالكامل، وعشت مع أسرتي نواجه الجوع والحرمان، ولقد رافقت عملية إعادة البناء، عرفت هذا كله، وعرفت أيضاً نتائج مسيرة تصحيح الأخطاء، وأنا نفسي استمتعت بثمار النهوض الاقتصادي الياباني"، بهذا لخَّص نوبوأكي تجربة إنسانية تاريخية لبلده اليابان.
نوتوهارا، أكاديمي ومؤرخ وعالم لغة، عاش الدمار الذي شهدته اليابان في الحرب العالمية الثانية، وحركة النهضة، وهي البلد الوحيد الذي تعرض لضربات نووية (هيروشيما ونغازاكي).
كما شهد مسيرة إعادة الإعمار التي بدأت بعد الحرب، وتواصلت بطاقات بشرية عملاقة تلاقت فيها إرادة البناء بعزيمة الابتكار والإبداع، وإرادة شعب أصر على أن يأخذ وطنه من حالة الدمار إلى مصاف الدول المتقدمة.
اليابان اليوم؛ ناتج محلي إجمالي يقدر بنحو اربعة تريليونات دولار، وصادرات تقدر بنحو 700 مليار دولار، ومن أعلى المعدلات في جودة التعليم، الين من الملاذات الآمنة، من أكبر الدول في براءات الاختراع والبحث والتطوير والتعليم العالي، تمتلك 30 في المئة من الروبوتات الصناعية عالميا، بنية تحتية الأكثر تطورا في العالم، استقرار مالي وسياسي، ومؤسسات فعالة، نظم وسياسات فعالة في التكنولوجيا النظيفة والطاقة المتجددة.
أطلق الاقتصاديون في ثمانينيات القرن الماضي عليها "معجزة الشرق"، إذ لم تبدأ في ما حققته من تقدم من الصفر، بل من تحته، دون إمكانيات سوى البشر والعزيمة والإصرار، والتخطيط السليم، والإدارة المتميزة، والجودة في العمل والإنتاج، وقد حرص الساسة والمخططون والمديرون على الجودة في كل شيء، وأرسلت اليابان مبتعثيها لأوروبا والولايات المتحدة لدراسة نظم الجودة في مختلف الأنشطة، وأثمر ذلك في الصناعة والتكنولوجيا والإدارة.
ويُعدُّ نظام التعليم فيها الأكثر كفاءة وتطورا عالميا، ويركز على القيم الاجتماعية والسلوك، بقدر تركيزه على التحصيل العلمي، والعمل الجماعي لا يقل أهمية عن التفوق الفردي، والاجتهاد والمثابرة قيمة مركزية، والاحترام والنظام يغرس منذ الطفولة، ويشارك الطلبة في تنظيف مدارسهم يوميا، بما يعزز فيهم روح المسؤولية والانتماء، والتعليم ليس تعليما بالمعنى التلقيني، لكنه نظام للتعلّم، يكون فيه الدور الأكبر للطالب، بينما المعلم يؤدي دور المرشد، ويحظى بمكانة اجتماعية مرموقة ويُنظر إليه كقدوة اجتماعية وتربوية، كما توسعت في التعليم الرقمي والذكاء الإصطناعي منذ الإبتدائي.
أخذت اليابان من كل ممارسة أفضلها، ومن كل خبرة أحسنها، ومن كل تجربة أنجعها، لكن ذلك لا يعني أنها لا تواجه تحديات صعبة، وأصعبها مديونيتها التي تقدر بنحو 250 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي، لكنها تعالجها عبر سياسات نقدية حصيفة، وإدارة كفؤة للدين العام، ونظام ضريبي متوازن وعادل، ونظام مصرفي مقتدر وفعال.
في إطار ذلك كله، ومن خلال معرفته وإلمامه الواسع بالمنطقة العربية، نظر نوبوأكي نوتوهارا إلى التنمية العربية، شرَّح أوضاعها، وحلل مساراتها، وقيَّم نتائجها، وقد كان منهجه الياباني النقدي واضحا وصريحا ومُؤدبا، إذ طرح تساؤلات مهمة، اتفقنا معها أو اختلفنا لكنها، في كل الأحوال، جديرة بالاهتمام.
وقال نوتوهارا، من وجهة نظره، كانت ترافقني أسئلة بسيطة وصعبة؛ ملخصها؛ لماذا لا يستفيد العرب من تجاربهم، لماذا لم يتمكن العرب من اللحاق باليابانيين؟
لم تكن تلك التساؤلات تقليل من شأن العرب الذين عاشرهم 40عاماً، بقدر ما كانت تعاطفاً معهم في مواجهة أوضاع تنموية صعبة، ومستقبل تحفه مخاطر أصعب، إلا أنه خانه التعميم، حين تحدث ملياً عن العرب فشمل الجميع، في حين اقتصرت مشاهداته واستنتاجاته على عدد قليل من الدول.
لقد بدت أوضاع التنمية العربية ومؤشراتها، قريبة من رؤيته، إذ قُدِّر الناتج العربي الإجمالى (لكل الدول العربية مجتمعة) عام 2024 بنحو 3.6 تريليون دولار في حين كان الناتج المحلي الياباني نحو اربعة تريليونات دولار، والألماني نحو4.7 تريليون دولار، والبريطاني 3.7 تريليون دولار، وفي حين يبلغ عدد سكان المنطقة العربية نحو 480 مليون نسمة، كان عدد سكان تلك الدول مجتمعة نحو 274 مليون نسمة، أي أنها مجتمعة تقل بنحو 200 مليون نسمة عن مجموع سكان الدول العربية.
وتساهم الدول العربية (مجتمعة) بنحو خمسة في المئة من الناتج الإجمالي العالمي، في حين تبلغ مساهمة الاتحاد الأوروبي 15في المئة، أي ثلاثة أضعاف.
ونظرة للمؤشرات الأخرى، قد تبين أن نوتوهارا ربما كان متعاطفا وليس متحاملا، وإذ تتفاوت الدول العربية تفاوتا كبيراً في مسارات التنمية، فإن المؤشرات الإجمالية تشير إلى أن نسبة الأمية بالإجمال بين الذكور نحو 25 في المائة وبين الإناث نحو 46 في المئة، ونسبة البطالة في المتوسط تبلغ 12 في المئة وبين الشباب 28 في المئة، وهي نسب مرتفعة بالمقارنة مع المعدلات العالمية، علاوة على الاختلالات الهيكلية، والمديونية، وعجوزات الموازنة، وانخفاض التنويع، وشح التمويل، ونقص البنية التحتية والخدمية، وهي قائمة طويلة تقول أن التنمية العربية بحاجة ماسة للتصحيح، فهل كان نوتوهارا متحاملا أم متعاطفا؟
المدير العام السابق للمعهد العربي للتخطيط