هناك ظاهرة بشرية معروفة: نقرأ العنوان… ثم نقفز مباشرة إلى الاستنتاج. وبين العنوان والخاتمة تضيع القصة كلها. وهذا بالضبط ما حدث حين انتشر خبر "ممارسة" صادرة عن الأمانة العامة لمجلس الأمة لطلب تأجير سيارات.
كثيرون لم ينتظروا قراءة التفاصيل، ولم يسألوا: أي نوع من السيارات، ولأي غرض، وهل يرتبط الأمر بعودة مرتقبة أو بتطور سياسي؟
يكفي أن تقع أعينهم على عبارة "مجلس الأمة" حتى تدقّ ساعة التفاؤل في رؤوسهم.
وقد لاحظتُ أن بعض الناس قرأوا الخبر كإشارة تمهيدية ضمنية لعودة "المجلس"، فتحرّكوا بخطوات محدودة هنا وهناك؛ فمنهم من فكّر في إعادة فتح ديوانيته بعد فترة انقطاع، وآخرون تواصلوا مع معارفهم لترتيب الأجواء احتياطاً، وبعض من هم في إجازة اختيارية مفتوحة بدأوا يفكّرون في العودة.
تحركات بسيطة، لكنها تعكس لدى البعض فهماً أن هذه الممارسة قد تكون مقدّمة لممارسات أخرى… وأن عودة "المجلس" باتت قريبة. مشاهد جميلة في ظاهرها… لكنها سابقة للحدث.
الحقيقة أبسط بكثير: الأمر لا يعدو كونه طلباً لسيارتين فقط، "أربع سلندر"، صغيرة الحجم، من نوع سيارات المناديب المستخدمة للمهام الإدارية.
لعل كل ما في الأمر بند ميزانية يُراد الصرف منه، ولا علاقة له، من قريب أو بعيد، بانعقاد "المجلس"، بل إن المفارقة كانت ستكون أكثر إضحاكاً لو كانت الممارسة لباصات بدل سيارات.
والمدهش أن هذا الارتباك الشعبي "بالغمز واللمز" تحوّل دون قصد إلى هدية مجانية لمجلس الوزراء؛ فموجة "التفاؤل الوشيك" منحت الحكومة صمتاً ناعماً تستفيد منه دون أن تتورّط بكلمة واحدة.
صمتٌ مُربِح. وبدلاً من تسابق الأجهزة الرسمية إلى نفي الشائعات، كما هو معتاد اخيراً، فلا تُترك شاردة ولا واردة دون نفي مزلزل وقاطع، تُركت هذه الشائعة السيّئة الفهم بلا أي تصحيح!
لا أحد يعترض على الأمل. كلنا ننتظر عودة "المجلس"، ونطمح إلى مؤسسات تعمل، ورقابة تحمي، وتشريع يوازن، لكن لا يجوز أن يُترك الناس يتخبطون بين الإشارات في غير موضعها، أو أن يعود التداول في سيناريوهات برلمانية لا علاقة لها بالخبر ذاته. وقد يقول قائل: "وما الضرر في ذلك"؟
الضرر في أن تُبنى توقعات سياسية على إشارات خاطئة، فتتشكّل حالة انتظار تخلق ضغوطاً وهمية على المشهد العام، وتسمح للفراغ السياسي بأن يوجّه الناس، بدل أن تُوجّههم المعلومات الدقيقة. وكل هذه الضجة انطلقت من طلب سيارتين إداريتين بـ"أربع سلندر" فقط!
الناس هنا ليست ملومة؛ فالمشهد العام يعيش فراغاً ممتداً يدفع أي تفصيل صغير إلى واجهة التحليل، لكن إدارة هذا الفراغ هي مسؤولية الجهات الرسمية، بما يضمن ألا تتحول الإجراءات الروتينية إلى وقود لتأويلات متراكمة.
فالمشهد السياسي اليوم بحاجة إلى توضيحات دقيقة، لا إلى إشارات عابرة تُحمَّل ما لا تحتمل. فالوضوح وحده هو ما يجنّب الجميع سوء الفهم.
Abdulaziz_anjri@