الأربعاء 29 أبريل 2026
27°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
أسباب فشل الأحزاب السياسية المدنية في العراق
play icon
كل الآراء

أسباب فشل الأحزاب السياسية المدنية في العراق

Time
السبت 06 ديسمبر 2025
د.عائد الهلالي

رغم الحضور الفكري الذي يفترض أن تتمتع به الأحزاب المدنية العراقية، فإنها لم تنجح في التحول إلى قوة سياسية مؤثرة داخل النظام السياسي بعد 2003.

ورغم أن المزاج الشعبي مرّ بمراحل متعددة من خيبة الأمل تجاه الأحزاب التقليدية، فإن هذا التحول لم ينعكس بوضوح في صناديق الاقتراع، أو في بنية السلطة. ويمكن تفسير فشل الأحزاب المدنية بمجموعة أسباب مترابطة تتعلق بالبنية السياسية والمجتمعية والتنظيم الداخلي والظروف الموضوعية، التي تعمل ضمنها.

أولاً، هيمنة النظام السياسي القائم على المحاصصة. فالمشهد العراقي بُني منذ 2003 على منظومة تعتمد التمثيل المكوّناتي وليس البرامج السياسية.

في ظل هذا الإطار، تجد الأحزاب المدنية نفسها خارج قواعد اللعبة لأنها لا تمثل طائفة أو قومية، بل تمثل خطاباً وطنياً عاماً. هذا الخطاب، رغم إيجابيته، يصطدم بواقع سياسي لا يعطي وزناً كبيراً للبرامج بقدر ما يمنح القوة لمن يمتلك أدوات النفوذ والمحاصصة والارتباطات الخارجية. ومن دون القدرة على الدخول في هذه الشبكات، بقي المدنيون على الهامش.

ثانياً، ضعف البنية التنظيمية للأحزاب المدنية. العديد منها تُدار بطريقة نخبوية أو شخصية، وتعتمد على مجموعة محدودة من القيادات، دون بناء قواعد شعبية واسعة.

تفتقر بعض الأحزاب إلى آليات انتخاب داخلية، وتغيب عنها المؤسسات الحزبية الفاعلة، ما يجعلها أقرب إلى تجمعات رأي منها إلى قوى سياسية تنظيمية. وحين تجد نفسها أمام استحقاق انتخابي، تفتقد القدرة على إدارة الحملات، وتعبئة الجمهور، وحماية الأصوات.

ثالثاً، التشتت والانقسام بين القوى المدنية. فبدلاً من تشكيل جبهة وطنية موحدة، أو تحالفات انتخابية مستدامة، دخلت هذه الأحزاب في صراعات جانبية، وتنافس شخصي بين القيادات، وانتهت الحال بقوائم صغيرة متفرقة، لا يستطيع أي منها تجاوز العتبة الانتخابية في العديد من المحافظات.

إن عدم القدرة على التوحد حول برنامج سياسي واحد أو زعامة موحدة جعلها عاجزة أمام الكتل الكبيرة المنظمة والممولة.

رابعاً، خطاب غير متجذر في الواقع الاجتماعي. فالبرامج المدنية غالباً ما تأتي بصياغات مثالية أو عامة، دون تقديم حلول واقعية للمشكلات اليومية للمواطن العراقي مثل البطالة، الأمن، الخدمات، ومكافحة الفساد.

الجمهور يريد خطاباً عملياً، لكن المدنيين في كثير من الأحيان قدّموا خطاباً نخبوي الطابع، يصعب أن يجد صداه لدى الشرائح الفقيرة أو الريفية التي تشكل جزءاً كبيراً من القاعدة الانتخابية.

خامساً، ضعف التمويل وانعدام الدعم الإقليمي، في مقابل أحزاب كبيرة تمتلك شبكات مالية وإعلامية ضخمة.

الانتخابات العراقية تستهلك موارد هائلة، من الحملات الإعلامية إلى مكاتب المراقبة وتدريب الكوادر، ومع غياب تمويل حقيقي لدى الأحزاب المدنية، يصبح تأثيرها محدوداً جداً، حتى لو امتلكت خطاباً مقنعاً.

سادساً، الإحباط الشعبي وفقدان الثقة. فبعد احتجاجات 2015 و2019، اعتقد كثيرون أن الشارع يتجه نحو مشروع مدني، لكن غياب قيادة موحدة للاحتجاجات، وعدم قدرة الأحزاب المدنية على احتضان الغضب الشعبي وتحويله إلى مشروع سياسي منظم، أدى إلى ضياع الزخم. وبذلك تكرس الانطباع أن المدنيين جزء من المشكلة، أو غير قادرين على التغيير.

إن فشل الأحزاب المدنية لا يعود إلى طبيعة خطابها فقط، بل إلى بيئة سياسية مغلقة، وبنى حزبية ضعيفة، وانقسام دائم، ونقص في التمويل، وعدم القدرة على التواصل مع القاعدة الشعبية.

ورغم ذلك، يبقى المجال مفتوحاً أمام إعادة بناء مشروع مدني جديد، شرط أن يتعلم من أخطاء الماضي، ويواجه الواقع السياسي بواقعية وجرأة وبرامج قابلة للتطبيق الفعلي.

كاتب عراقي

آخر الأخبار