بقدر مرارة المعاناة اثناء الغزو العراقي، وعمق الألم، وثقل الصدمة، وهول الذهول، تألق الأخ الكبير الدكتور سليمان الشطي في تقديم لوحة مشاهدات ضمن إطار سردي رائع، يستحق التأمل، والثناء.
ضمن كتاب صدر حديثاً، للأخ الفاضل حمد الحمد بعنوان "يوميات أسابيع الغزو"، تسيد الأخ العزيز الدكتور سليمان الشطي، في جعل شهادته بعنوان "ابني ليس أغلى من الوطن"، مشوقة، ببلاغة السرد، ودقة التعبير، وكأننا أمام لوحة مشاهدات اجتماعية، وسياسية، ووطنية.
وظف الدكتور سليمان الشطي، أستاذ اللغة العربية خبراته الأدبية، والنقدية المتراكمة، في رسم أكثر من مشهد ليومياته اثناء الغزو العراقي، فقد حملت شهادته مشاهد من الدلالات السياسية، والعسكرية، والإنسانية عن وقائع، وحقائق تلك الأيام العصيبة من تاريخ الكويت.
صدمة الذهول، وعمقها، وقع فيها الجميع منذ فجر 2 أغسطس 1990، لكن حالة الذهول، وعدم تصديق الغزو، لدى رب الأسرة، والمواطن سليمان الشطي، "أبو علي"، كانت مختلفة تماما، لأنه كان متماسكا، وصلباً، وقوياً في مواجهة الغزو، ودقيقاً في استحضار التفاصيل.
مشهد اليوم الأول: تلخص المشهد في أساليب وطرق التثبت من الغزو، والتقصي لزحف وانتشار الجيش العراقي في شوارع الكويت، واتخاذ الاحتياطات المالية.
مشهد العدوان: اتضاح الاعتداء العراقي على الكويت عند مشاهدة سرب طائرات "هليكوبتر" عراقية، وتحليقها على مستوى منخفض فوق "الدائري السادس"، وملاحظة ملامح الجنود الواضحة.
مشهد الذهول: سيطرت الكآبة على المزاج منذ فجر اليوم الأول حتى المساء من دون أي طعام، إلى تناول "سندويشة" بعد ضغط، وإلحاح رفيقة الدرب، وشريكة الحياة.
مشهد التواصل: مباشرة الاطمئنان على أفراد الأسرة، ومنهم الأخ العسكري، والآخر في أمن الإذاعة، والأخ الثالث الذي يعمل في مطافي المنطقة الشمالية، الذي اختفى، ومطالعة "ورقة" على لوحة في واجهة الجمعية التعاونية لتقصي اخبار الأخ الذي "لم يرجع إلى والدته".
مشهد التعارف: بروز "ظاهرة مميزة في المجتمع الكويتي"، وهي "فارقة بين ما كان قبل الغزو وعند الغزو، فالكويتيون في المناطق الجديدة خصوصا، لم يكن أحد يعرف أحداً، في منطقة مشرف".
مشهد التجمع: تجمع الجيران "الملاصقين"، ونقل الجلسة، والتجمع إلى خيمة لتبادل المعلومات، وآخر الأخبار.
مشهد الرصد الإعلامي: برز جلياً الاختلاف المهني، والسياسي، بين إذاعة "بي بي سي" البريطانية، التي كانت دقيقة في نقل الاخبار، على حين تبنت إذاعة "مونتي كارلو" موقفاً سياسياً مناصراً للطاغية صدام حسين، وإذاعة الأخبار المسمومة بالحقد، والتشفي في الكويت.
مشهد الفاجعة الشخصية: إصابة الابن علي إثر حادث تصادم مروري، لم تُعرف دقة تفاصيله، وكانت اصابته شديدة، بل "خطيرة جدا" إلى درجة الدخول في "غيبوبة لا يعي ما حوله".
مشهد التغذية: تغذية الابن الشاب، الفاقد للوعي، عن طريق الأنف، والطريقة التي لجأت إليها والدته، وهي عبارة عن "مريس"، وهو عبارة عن خلط التمر مع الحليب ليكون سائلاً، وليناً و"حقنه بالأنف، لأن التغذية كانت بالأنف فقط".
مشهد "ابني ليس أغلى من الكويت": نصيحة لأخذ الابن والخروج من الكويت، و"انت معذور"، لكن الدكتور سليمان (أبو علي) علق على النصيحة، بأن "ابني ليس أغلى من الكويت".
توالت مشاهد مؤثرة عن بداية الحرب الجوية، والبرية، و"الانسحاب الكبير"، و"هدير السيارات المتجهة من الجنوب إلى الشمال"، وثم "المنظر المزعج حين أظلمت الكويت بشكل لا يمكن تخيّله، ظلمة غريبة، بسبب الدخان المتصاعد نتيجة تفجير آبار النفط، وتدمير المحتل محطات الكهرباء".
روعة البلاغة في نقل المشاهد التي لم تغب عن ذاكرة الاحتلال لدى الأخ الكبير الدكتور سليمان الشطي ضمن لوحة حقيقية وواقعية، جعلتني اتسمر أمام السطور، والاحاسيس، إلى درجة انني تمنيت لو الصفحة الأخيرة من لوحة المشاهدات لم تكن الأخيرة.
KAltarrah@