قبل أيام جاءتني دعوة كريمة من الإخوة في مركز التراث الإسلامي البريطاني في مانشستر لزيارة المركز، والتعرّف عن قرب على برامجه الإنسانية والخيرية، والدعوية والتعليمية، ومسيرته الطويلة في خدمة المجتمع المسلم.
وحين وصلتُ إلى المبنى التاريخي العريق، وقفتُ أمام صرحٍ أقرب إلى اللوحات التي تُدرَّس في كتب العمارة الأوروبية: برجٌ سامق بنوافذ طويلة، وحجارة تعانقها آثار الزمن، وممرات مقوّسة تعكس الطراز القوطي، الذي يعود لأكثر من قرن ونصف القرن.
ورغم أن المبنى يحمل إرثاً معمارياً قديماً، فإن الحياة فيه نابضة بقوة؛ موظفون يتحركون بين القاعات، ومنظمون ينشغلون بأنشطتهم، وإدارات تعمل بروح الفريق، في مزيجٍ بديع بين عراقة المكان وحيوية الرسالة، التي يحملها اليوم للمسلمين في بريطانيا.
بعد جولة في المركز، اصطحبنا الإخوة لزيارة المدرسة الكبيرة التابعة له، وهي إحدى أهم الإنجازات التعليمية للمجتمع المسلم في مانشستر.
كانت المدرسة تضم مرافق حديثة وقاعات واسعة وممرات أنيقة، تدل على رؤية تعليمية طويلة، بدأت قبل عقود وانتهت إلى هذا الصرح، الذي يخدم اليوم مئات، بل آلاف الطلبة.
وخلال جولتنا، حدّثني المشرفون عن تاريخ هذه المدرسة، وكيف أنها امتداد لمدرستين سابقتين:
الأولى: تبرع بها الشيخ يوسف جميل، والثانية: شيّدها خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز، رحمه الله، وكانت إحداهما للبنين والأخرى للبنات.
ومع توسّع العمل وازدياد أعداد الطلبة، بيعت المدرستان لشراء هذا المبنى الكبير والحديث، الذي أصبح اليوم منارة علم واستقرار للمجتمع المسلم في مانشستر.
واصلنا السير في أحد الممرات الطويلة داخل المدرسة، جدران الممر كانت تروي قصصها بصمت، معلّقة عليها صور عشرات المربين والمتطوعين والطلبة، الذين مرّوا من هنا خلال عقود.
كان المشهد أقرب إلى ذاكرة مفتوحة، كل صورة تحمل لحظة، وكل لحظة تحمل قصة.
توقف أحد المشرفين عند صورة صغيرة مؤطّرة بعناية، موضوعة بين صور كثيرة من تسعينات القرن الماضي، قال لي بابتسامة خفيفة تحمل شيئا من الاحترام: "هذه الصورة فيها سرّ قد يهمّكم"!
اقتربتُ من الصورة، وتأملت الوجوه واحداً تلو الآخر، رجال ونساء من أوائل الداعمين والمعلمين، يقفون معاً في ساحة إحدى المدارس القديمة التي أسست المجتمع المسلم تربوياً في تلك المرحلة.
لكن ما إن تعمّقت في النظر، حتى استوقفني وجهٌ مألوف، ابتسامة يعرفها كل كويتي، وملامح رجلٍ ترك بصمة لا تُنسى في تاريخ الكويت.
قال المشرف بصوت هادئ، وكأنه يكشف حقيقة خبأها الزمن: "هذا العم جاسم محمد الخرافي، رحمه الله".
كانت لحظة صامتة، لكنها حملت ضجيج المعاني.
لم تكن الصورة مجرد لقطة أرشيفية؛ كانت شهادة على رجلٍ كويتي وقف بصمت في التسعينات، ودعم المدارس الإسلامية الأولى التي مهدت الطريق لهذا الصرح التعليمي الحديث الذي يقف أمامنا اليوم.
شرح لي المشرفون أن العم جاسم الخرافي، رحمه الله، كان من بين أوائل الداعمين لتلك المدارس، وكان حضوره يومها جزءاً من بناء مرحلة كاملة، لا تُقاس بحجم المباني، بقدر ما تُقاس بما يتركه الإنسان من أثر في حياة الآخرين.
لم يبحث الرجل عن إعلان ولا ظهور، ولم ينتظر شكراً أو عرفاناً.
كان العطاء عنده فطرة، والعمل الخيري جزءاً أصيلاً من شخصيته ومسيرته.
وقفتُ أمام الصورة طويلاً.
شعرت وكأن الزمن يعيد نفسه؛ فبين مبنى حديث يخرج آلاف الطلبة اليوم، وصورة متواضعة قبل ثلاثة عقود، خيط رفيع يربط الماضي بالحاضر. خيط نسجه رجال آمنوا برسالة الخير، وكان رئيس مجلس الأمة الأسبق العم جاسم الخرافي، رحمه الله، أحد أولئك الذين يُكتب أثرهم، ويتركون بصمتهم التي لاتُنسى حتى بعد رحيلهم الطويل.
إن المؤسسات العظيمة لا تُبنى فجأة، بل تُشيَّد حجراً فوق حجر، وجهداً فوق جهد، وصدقاً فوق صدق، وفي مانشستر، وفي هذا الصرح التعليمي الذي يشع اليوم نوراً وعملاً وسلاماً، تقف مساهمات هؤلاء الرجال شاهدة على أن الخير الخليجي، السعودي والكويتي، الذي يتجاوز الحدود، ويترك لسان صدق يبقى بعد الرحيل.
رحم الله خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز، رحمةً واسعة، ورحم الله العم جاسم الخرافي، وجعل ما قدّماه في ميادين الخير والعطاء صدقةً جاريةً لهم لا ينقطع أثرها إلى يوم الدين.
وجزى الله خيراً رجل البر والإحسان الشيخ يوسف عبداللطيف جميل، وبارك في جهوده ومسيرته، وجزا كل من بنى وغرس وساهم في خدمة الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
BSALghanem@