الجمعة 01 مايو 2026
30°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
نوبل للاقتصاد
play icon
كل الآراء

نوبل للاقتصاد

Time
الاثنين 08 ديسمبر 2025
د.بدر عثمان مال الله

جويل موكير، وفيليب أجيون، وبيتر هاويت، ثلاثة اقتصاديين مرموقين، الأول أميركي، والثاني فرنسي، والثالث كندي، حصلوا مجتمعين على جائزة "نوبل" في الاقتصاد لعام 2025، نصفها لموكير، ونصفها الثاني لأجيون وهاويت معاً. وقد بيَّن ذلك، دون أدنى شك، أهمية الاقتصاد في المنظور العالمي.

إن مساهمات الثلاثة أثرت بحق الفكر الاقتصادي الحديث، استحقوا بها الجائزة. وبذلك، يكون إجمالي عدد الاقتصاديين الحاصلين على جائزة نوبل 97 اقتصاديا، وهو ما يبين أهمية الاقتصاد في بناء الأمم والحضارات، باعتباره العلم الذي يبحث بشكل مباشر في الرفاه الإنساني، والبنية الأساسية للتنمية، وممولها.

الاقتصاد هو "الكل شيء" الذي يعتمد عليه كل شيء آخر، فلا تنمية دون اقتصاد قوي متعاف، ولا صحة وتعليم دون موارد اقتصادية تمولها، ولا سياسة خارجية فعالة دون أن يسندها اقتصاد متين، ودون اقتصاد منتج لا صادرات ولا عملة صعبة.

و قد كان عام2025 صعباً لمعظم اقتصادات العالم، ومن المتوقع أن عام 2026 لن يكون أقل صعوبة، فرغم تقديرات صندوق النقد الدولي بنمو الاقتصاد العالمي بنحو3.1 في المئة، ومعدل تضخم نحو3.6 في المئة، إلا أن ذلك لا ينسحب على الجميع، فالدول الدافعة لهذا النمو هي الاقتصادات الصناعية، ولذلك ينبه صندوق النقد إلى ضرورة تسريع الإصلاحات المالية والإقتصادية للتكيف مع التحديات المقبلة.

إن معطيات عام 2025 التي بنى عليها صندوق النقد تقديراته للعام 2026 بشأن الاقتصاد العالمي لا تتناغم، ولا تشكل أرضية صلبة لتوقعاته، إذ تبدو هذه التقديرات متفائلة، وقد يعيد الصندوق النظر فيها لاحقا، خصوصا تقديرات النمو، وهو أمر درج عليه سابقا.

في المقابل، هناك توقعات أكثر تحفظاً للعام المقبل تتراوح من بطء النمو إلى ركود تضخمي. ورغم أن الركود التضخمي مستبعد، فإن الصعوبات الاقتصادية محتملة في ظل تباطؤ النمو المتوقع، والحرب التجارية المتصاعدة، وآثار التوترات الجيوسياسية على سلاسل الإمداد، وبقاء أسعار الفائدة في مستويات مرتفعة، والتوقعات المنخفضة لأسعار النفط، وتفاقم المديونية العالمية.

ورغم تقدير صندوق النقد أن ينمو اقتصادنا الوطني في العام المقبل بنحو3.1 في المئة، إلا أنه يبقى مدفوعا بالإيرادات النفطية، ويتوقع الصندوق أن يتراوح سعر برميل النفط بين 63 و70 دولاراً، وهو أقل بكثير من السعر التوازني مما يشكل ضغطا على المالية العامة.

لذلك دعا الصندوق في تقرير بعثته في سبتمبر 2025 عن إقتصادنا الوطني إلى تسريع التنويع الإقتصادي، وتعزيز القطاع الخاص، ورفع مساهمة القطاع غير النفطي في الناتج المحلي الإجمالي، وتحسين بيئة الأعمال.

إن تحقيق معدلات مرتفعة من النمو الاقتصادي التشغيلي المستدام هو هدف رئيسي لكل اقتصاد، ودليل عافيته باعتباره مؤشر المؤشرات، فالنمو هو ممول التنمية، ولذلك تكون السياسات الاقتصادية في قلب السياسات العامة لكل حكومة، ويعتبر المسؤول الاقتصادي المختص، أو وزير الاقتصاد، هو الـ"دينامو" المحرك للنشاط الاقتصادي، غير أن وجود وزير اقتصاد ليس إلزامياً في أي تشكيل حكومي، لكنه في عدد من الأحيان يكون ضرورياً خصوصا في الاقتصادات التي تواجه تحديات، وملفات معقدة، واختلالات هيكلية تتطلب المعالجة باختصاص واحترافية.

إن ضرورة وجود اختصاص في الاقتصاد في السلطة التنفيذية تحتمه أمور عدة، منها؛ رسم سياسات اقتصادية متناسقة، ومتابعة النمو والاستثمار وقطاعات الناتج المحلي الإجمالي، وتنسيق الخطط الاقتصادية مع القطاعات الأخرى لصياغة رؤية اقتصادية موحدة، والتعامل مع المؤسسات الاقتصادية الدولية.

إن توزيع الاختصاصات الاقتصادية بين جهات عدة قد تكون له مزايا، لكن مزايا تجميعها في جهة واحدة، وزير متخصص مثلا، أكثر وأكبر نفعا خصوصا في ظل تحديات اقتصادية كبيرة مثل الاعتماد الكبير على النفط، والحاجة لتنويع مصادر الدخل، وأهمية تسريع الاصلاحات الاقتصادية، وضيق القاعدة الاقتصادية، وضرورة تحسين بيئة الاستثمار، وتضارب الصلاحيات بين جهات اقتصادية متعددة، وبطء تنفيذ المشاريع الاقتصادية.

لا شك، إن توحيد القرارات والسياسات الاقتصادية في جهة واحدة سوف يُسهِّل إدارة ملفاتها، ويسهم في إنسيابيتها وتناسقها، ومعالجة ما يعتريها من صعوبات.

وبيت القصيد هنا، أنه لا ينبغي النظر للاقتصاد كقطاعات متفرقة تدير كل منها جهة معينة، فالأنجع والأجدى التعامل مع الاقتصاد كخريطة متكاملة يرتبط كل جزء منها بالآخر، وعلى هذا الأساس توضع الخطط وترسم السياسات، وتتخذ القرارات، والأنجع كذلك أن يكون ذلك في إطار خارطة استثمارية تُعد بحرفية وبتحديث دوري.

المدير العام السابق للمعهد العربي للتخطيط

آخر الأخبار