السبت 02 مايو 2026
28°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
بوصلة حقوق الإنسان
play icon
كل الآراء

بوصلة حقوق الإنسان

Time
الأحد 14 ديسمبر 2025
د.سامي العدواني

بدعوة كريمة من الديوان الوطني لحقوق الإنسان تشرفت بالمشاركة في احتفالية رمزية بمناسبة "اليوم العالمي لحقوق الإنسان" الذي يصادف العاشر من ديسمبر كل عام.

وفي مثل هذا اليوم نستدعي معنى الإنسان فينا، موقعه، كرامته، وحقه في أن يكون نقطة البدء ونهاية المسار في كل مشروع وطني، أو تنموي أو حضاري.

إن الشعار الذي أعلنته الاحتفالية كان ذكياً في دلالته، فقد نص على أن "حقوق الإنسان مسؤولية مشتركة"، وهي بالفعل كذلك ليست مهمة جهاز، وإن كان مستوى الآمال المعقودة عليه كبيرة، لكنها في إرادة أوسع طيف وطني، وهي اختبار يومي يواجهه كل مجتمع...اختبار يجيب فيه الواقع، لا البيانات، عن سؤال بسيط وعميق: إلى أي مدى نجحنا في جعل الإنسان محور التنمية وهدفها؟

لقد أثبتت التجارب أن قوة الدول ليست في حجم اقتصادها فقط، بل في قدرتها على صيانة الحقوق التي تحفظ للإنسان كرامته ومساحته ومسؤوليته. فالحق ليس منحة تُمنح، ولا امتيازاً يمكن التفضل به، إنما هو أصلٌ يسبق التشريعات، وتُبنى حوله الأنظمة، وتتفرع عنه السياسات العامة.

إن مجتمعاً يرفع كرامة الإنسان إلى مرتبة اليقين، هو مجتمع لا يخشى النقد، ولا يخجل من المراجعة، ولا يتردد في تطوير منظومته القانونية والإدارية بما يعكس وعيه الحضاري.

حين تحدث ممثل ديوان حقوق الإنسان تطرق إلى مسارات إجرائية ليست جامدة، تناول في حديثه تفاصيل صغيرة تشكّل خبرة الإنسان اليومية، أن يشعر بالأمان، وأن يجد العدالة في متناول يده، وأن تُتاح له فرصة عادلة للتعليم والعمل، وأن يلقى ضعفه سنداً لا عبئاً، وأن يعيش حاضره دون خوف من غده.

لهذا، فإن الإصلاح الحقوقي ليس إرادة فوقية فقط، إنما هي بناءٌ يبدأ من وعي الأسرة، وضمير الدولة، ومن مسؤولية الإعلام وتوازن المؤسسات، وإرادة المجتمع في أن ينهض بذاته، وتحويل القوانين إلى ممارسات والالتزامات إلى واقع محسوس.

إن التجارب الأحدث لدول المنطقة تُظهر أن تعزيز حقوق الإنسان لم يعد مطلباً خارجياً، بل أصبح جزءاً من أمن المجتمع واستدامة تنميته، وعنصراً رئيسياً في بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

لذا فإن تطوير التشريعات ومراجعة السياسات، وتوسيع دائرة المشاركة المجتمعية لم تعد خيارات، انما هي في الحقيقة أدوات أساسية لضمان العدالة والشفافية والمساءلة.

قوة أي مجتمع تُقاس بقدرته على حماية أكثر فئاته هشاشة كالنساء والفتيات، الأطفال وذوو الإعاقة، وكبار السن، والعمالة الهشة، لأنهم في لحظة ما يصبحون مرآتنا الأخلاقية من خلالهم نعرف حجم رحمتنا، ونضج قوانيننا، وصدق إرادتنا.

إن حماية الفئات الاجتماعية ليست عملاً خيرياً، ولا موسمياً، بل هي عدالة اجتماعية تنعكس على استقرار المجتمع بأسره، وتمنع تشكّل الفجوات التي تقود إلى التوتر، أو الانقسام، وكم سرتني الدعوة الكريمة من وزارة الشؤون الاجتماعية، قبل أسابيع لورشة حوارية عن فئات الحماية الاجتماعية، بهدف الخروج بمنظور تشاركي للحماية الشاملة.

رغم أن الدول تتحمل العبء الأكبر، فإن المجتمع – بأفراده ومؤسساته – لا يُعفى من دوره فاحترام الحقوق يبدأ من سلوك المواطن، وطريقة تعامله مع المختلف، ووعيه بحدود سلطته على الآخرين ومسؤوليته في مواجهة خطاب الكراهية، أو الإقصاء، أو التمييز، لذلك كانت مسؤولية الحقوق ملفاً وطنياً وثقافة تتقاطع فيها التربية، والإعلام، والتعليم، والقطاع المدني، وأصحاب الرأي، والمبادرات المجتمعية.

إن المستقبل بحاجة إلى انتقال نوعي من فكرة الرعاية إلى فكرة الحماية التي تشملها التنمية المستدامة، ومن سياسات تستجيب للأزمات، إلى سياسات تستشرف المخاطر وتمنعها ومن آليات تنظم شؤون الإنسان، إلى منظومات تجعل الإنسان شريكاً في صناعة القرار.

أشكر كل الجهود الفارقة التي تذكرنا في هذا اليوم، وتفتح النقاش واسعاً لتذكيرنا بواجباتنا، ومسؤولياتنا في هذا الإطار، ويبقى اليوم العالمي لحقوق الإنسان مناسبة تذكّرنا أن الطريق طويل، لكنه قابل للتحقيق متى ما توافرت الإرادة، وتشاركت الجهود، والتقت مصالح الدولة بكرامة الإنسان.

فالكرامة مشروع دولة وحلم مجتمع، وهي حق يولد مع كل إنسان، ومسؤولية لا تسقط بالتقادم، وإرث أخلاقي يفرض نفسه على كل مرحلة من مراحل بناء الوطن، لأن حقوق الإنسان ليست وثيقة، بل وعيٌ ومسارٌ، وجودة حياة وقوة الأمم، تُقاس بقدرتها على أن تجعل الإنسان…هو البوصلة.

خبير استدامة

آخر الأخبار