عام آخر يرحل ويمضي، وتدور معه عجلة الزمن، ويمضي قطار العمر، ويتناقص معه رصيدنا من الحياة في هذه الدنيا، وتتضاءل المسافة الزمنية التي تفصلنا عن الرحيل...الحدث الأهم في حياة الإنسان، وهو انقضاؤها، أو "الرحيل الأبدي".
أيام الحياة تمر، يتقلص العمر ويقصر، يفرح البعض، ويحتفل الناس بعام جديد، ويرقصون ويغنون، غافلين أننا "أيام"، متعامين عن مرور الزمان وانقضائه، وانقضاء حياتنا معه كما قال أبو الدرداء: "يا ابن آدم إنما أنت أيام كلما ذهب يوم ذهب بعضك". عدا قلة من العقلاء والحكماء، فهؤلاء يتبصرون في أهمية وقيمة الوقت، ويتمعنون في مضي الدقائق والساعات، والليالي والأيام، ويعتبرون بما فيها من مواعظ وأحداث وعبر، فيسعون لاستغلالها فيما ينفعهم، فإن كل ماضٍ قد يُسترجع إلا العمر، فهو محتوم، وقد ينتهي بين غمضة عين وانفراجتها.
الشاعر الكبير أحمد شوقي، تحدث بعمق عن هذا المعنى وعن قيمة الوقت، حيث قال:
"دَقَّاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ له
إنَّ الحياة َ دقائقٌ وثواني
فارفع لنفسك بعد موتك ذكرَها
فالذكرُ للإنسانِ عُمرٌ ثاني".
ويؤكد أن الحياة ليست مجرد سنوات طويلة، بل هي مجموعة من اللحظات والدقائق، والثواني التي تمضي بسرعة، ويدعو لأن يرفع المرء لنفسه بعد موته ذكرها، بأن يخلد اسمه وسمعته الطيبة بآثار خالدة، ليكسب ذكراً حسناً يبقى بعد رحيله. فالذكر الحسن هو بمثابة حياة جديدة، وعمر إضافي يخلد به الإنسان في قلوب الناس بعد وفاته. هذه دعوة لتقدير الوقت واستغلاله في ما يرفع من شأن الإنسان ويخلد ذكره، بدلاً من إهداره في ما لا ينفع، لأن السمعة الطيبة هي عمر الإنسان الحقيقي والممتد. إن الفرح بقطع الأيام والأعوام دون اعتبار وحساب، لما كان فيها، وما يكون بعدها هو ضرب من الحمق، فالعاقل من اتعظ بأمسه، واجتهد في يومه، واستعد لغده، وجعل شعاره "التفاؤل والاستبشار بالخير". مضى عام 2025 مثقلا بالمصائب والمصاعب خصوصا في بعض بلداننا العربية، وما شهدته من كوارث وحروب. ومع بداية العام الميلادي الجديد 2026 نتمنى للجميع عاماً سعيداً يسوده الأمن والأمان والسلم والسلام، فما أجمل ونحن في بداية هذا العام أن نتفاءل بالخير، ونستبشر بأن قادم الأيام أفضل، وأن ننطلق بروحٍ جديدة، روح التفاؤل والتحدي، نظرة تبعث الأمل في النفوس، فرغم ما نمر فيه من المحن والمصائب، وما يشهده العالم من كوارث وحروب وصراعات وأوبئة وأمراض، وتناقص الإنتاج الغذائي وغيره.
لا بد لنا من الإبقاء على التفاؤل في كل الأحوال، وأن نستشرف المستقبل جيداً بروح طموحة متفائلة، بعيداً عن التشاؤم، ناظرين لقادم الأيام بنظرة أمل وبشرى فالزمان يدور دورته، والأيام دول. وكل عام وأنتم بخير.
كاتب سوري
[email protected]