... في العقود الماضية، كان يُنظر إلى التكنولوجيا بوصفها أداة محايدة، تخدم من يستخدمها، أما اليوم، فقد بات واضحاً أن هذا التصور لم يعد دقيقاً، فالتكنولوجيا، وتحديداً الخوارزميات، لم تعد مجرد وسائل، بل تحولت إلى فاعل مؤثر في السياسة، والاقتصاد، والمجتمع.
الخوارزميات لا تحكم بالقوانين، ولا تُصدر قرارات رسمية، لكنها تتحكم في ما نراه، وما نقرأه، وما نناقشه، وما نغضب لأجله، وما نتجاهله... إنها لا تصنع الحدث، لكنها تحدد أي حدث يصبح مهم، وأي حدث يُنسى.
الخوارزميات وصناعة الوعي
حين تُقرَّر لك الأخبار التي تظهر على شاشتك، وحين يُعاد ترتيب أولوياتك اليومية دون أن تشعر، فإننا لم نعد أمام حرية اختيار كاملة، بل أمام توجيه ناعم للوعي... هذا التوجيه لا يحتاج إلى قمع، ولا رقابة مباشرة، بل يعمل عبر البيانات، والاهتمامات، والسلوكيات المتراكمة.
ما لم تتناوله كتب السياسة القديمة، ويفرض نفسه اليوم بقوة، هو أن السلطة لم تعد محصورة في من يملك السلاح أو المال، بل في من يملك البيانات، وهنا تتسع دائرة الفكر السياسي لتشمل التكنولوجيا والمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، لا بوصفها أدوات تقنية، بل قوى سياسية غير معلنة.
تحالف السياسة والمال والخوارزميات
الخطر الحقيقي لا يكمن في كل عنصر على حدة، بل في التقاء الثلاثة: سياسي يحتاج التمويل، ومال يحتاج المنصات، وخوارزميات تحتاج غطاءً قانونيا، في هذا التحالف، يصبح الحكم غير مرئي، والمساءلة شبه مستحيلة.
أخطر أشكال الحكم هو الذي لا نراه، ولا ننتخبه، ولا نستطيع مساءلته، ومع ذلك يحدد مسار حياتنا اليومية.
أين يقف الإنسان؟
وسط هذا المشهد المعقّد، يقف الإنسان في موقع ملتبس: هو مواطن، وناخب، ومستهلك، ومستخدم في آن واحد، لكنه غالباً يُختزل إلى رقم، أو سلوك، أو نمط استهلاكي، وهنا تبرز الحاجة الملحّة إلى وعي سياسي جديد، لا يقوم على الشعارات، بل على الفهم.
العالم اليوم لا تحكمه السياسة وحدها، ولا المال وحده، ولا الخوارزميات وحدها، بل يحكمه توازن هش بينها، وأي خلل في هذا التوازن، يدفع ثمنه الإنسان أولاً.
إن إدراك من يحكم العالم اليوم ليس غاية في ذاته، بل بداية وعي سياسي جديد، وهو ما نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى.