هذه رسالتي إليكِ، صَدِّقيها!
نحن بين فَكَّي المَصير، أي بين كيانٍ لا يُستَصغَرُ أمرُه، دونِ معروفٍ أو مكافأة، لأنّنا نستحقُّ الحياة، وبين انهيار مَقيت، البقاءُ، معه، مردودٌ في أكثرِه، لأنّ أكثرنا لا حِسَّ، فيه، ولا روحاً.
نحن شَرِسون في الشَرّ، لم ننشُرْ طُهرَنا على أجنحةِ الطّواويس، بقَدْرِ ما تَمَتَّعنا في الذّهابِ، عَمداً، الى الجانبِ المُظلِمِ من طبيعتِنا "الإنسانيّة"، وكَوَّنّا طِرازاً أنهكَ علماءَ النّفسِ، والاجتماع، والسياسة، فلم يجدوا لأوصافِنا تشبيهات.
نحن في حَلقِ الواقع، وكأنّنا كُتِبنا له، ولا عجب، فَطولُ الدُّربةِ في الموبقاتِ صارَ، معنا، من الثَّوابت، حتى اعتُبِرنا من أربابِ هذه الصّناعة.
فنحن قَدّاحو الشرّ، والشرُّ أَشكال، فالحقدُ، والضّغينةُ، والمكرُ، والعداوةُ، والفتنةُ، والظّلمُ، والتسلُّطُ، لم تكنْ، من الوَجهةِ التطبيقيةِ، اتِّهاماً يجبُ الطَّعنُ بصِدقيّتِه. فهذه الأشكالُ ظهَّرَت منهجاً مضبوطاً التزَمنا بمَراميهِ، على اختلافِ طَبَقاتِنا، وليس حَقاً أن يَنفِيَه مَن نَفاه. نحن خرجنا من دَفَّتَي تاريخِنا وكُلُّنا شَناعة، لم نأذَن للخَيرِ أن يَطغى، فكَبَّلناهُ، ورَجمناهُ، وقَطَعنا أوصالَه.
ولمّا لم يعتبرِ الخيرُ ما فعَلنا هفوةً، انفجرَ غَيظاً، وعتبَ على نفسِهِ فما عادَ بينَه وبينَنا ماءُ عِناق، وأَفشى ما وجبَ كتمانُهُ من مرارة، وقرَّرَ أن يبقى حاقِداً علينا، الى آخرِ الدّهور.
نحن نلجأُ، دائماً، الى الأسبابِ القاهرةِ، تَبريراً لانقطاعِنا عن مَساربِ الحقّ، وعن عِشرةِ الشّمس. ونُمَدمِكُ لانحطاطٍ خانَ أمانةَ الحضارةِ، وكان بارعاً في تَقفيزِنا الى الهاوية.
ولِأنّنا ننتسبُ الى الأذهانِ الصَّدِئةِ، وننتمي، في الخَلقِ، الى طُقوسٍ وَثَنيّةٍ، لن يكونَ لنا مَنفذٌ في شُعاعِ الفكر، ولا مَدَبٌّ في نورِ أيِّ نهضة.
نحن قَليلو الهيبةِ إزاءَ فائدةِ التَعَلُّمِ من الأخطاء، التَحَمنا بالأنانيّةِ، وأَدمَنّا التَعَنُّتَ، وعَقَدنا قِرانَنا على اللُّؤمِ، وغَلَّبنا، في الطَّبعِ، الشَرَّ والأَهواءَ الرَّخيصةَ، وزَحَفنا الى مسقطِ رأسِ التَعَصُّبِ، وهو في صُلب طينتِنا.
وآثرنا تدميرَ صَفاءِ الحياةِ، حيثُ يتنفّسُ الفرحُ، والطمأنينةُ، والوَعدُ بالآتي، والإحساسُ بالصِّدق، لنصبحَ رُكاما مُبتَذَلا على قارعةِ التاريخ، لا نستحقُّ ولاءَ الحياة، فيَتَهَيّأ لاستقبالِنا الموتُ الوَعِر.
نحن مزجنا الحقيقةَ بالباطِلِ لِتسييلِ عيوبِنا، فاستوطنَت، فينا، فوضى مُتَهَوِّرةٌ، بعيدةٌ، بانفعالِها، عن صَفوةِ العقلِ، وحَكَّمَت، بينَهُ وبينَنا، علاقةً سلبيّةً أَبَّدَتِ العَتمة، وأجهضَت رقصةَ نجمَتِهِ في امتاعِ ظلمةِ نفوسِنا.
لقد سَعَينا إلى انسلاخِنا عن الحقِّ والحقيقة، وتوخَّينا التَّحاملَ والتَّشويهَ والتَّحريف، أكثرَ مِمّا ينبغي، فرُفِعَ النّقابُ عن تَبَلُّدِنا الرَثّ، وعن افتقارِنا الى موهبةِ أنّنا ضُيوفُ الحياة.
نحن تقاعَسنا، في وَعيِنا، عن واجبِ انتمائِنا للأرضِ، وولائِنا لِعَزفِ نشيدِها، وفاخَرنا بالفُتورِ الوطنيّ، وبِرُكودِ مشاعرِ العنفوانِ، فما عُدنا نهتزُّ إلّا لِخطابٍ لا تَصدقُ فيهِ قِيَمُ المنطقِ، والحقِّ، والمواطنة، وهو يُلهِبُ الانفعالاتِ والأمزجةَ، فتصبحُ طَيِّعةً ليُمارَسَ عليها الرِقُّ الأَهوائيُّ، والاستِعباد.
إنّ ذلك إخفاقٌ مُبينٌ للحريّة، وبَيعٌ، بالثَّمنِ البَخسِ، لعِزَّةِ النّفسِ، فكأنّها خُرقةٌ في جِدار.
نحن رهينةٌ حُبِسَت حتى يَبِسَت، ولُطِمَت بما خَبُثَ من الظّلم، وبِما فَسُدَ من الحُكّام، فبدلاً من انشقاقِنا عن ميراثِ التَّصفيقِ والتَّهليلِ، وعن المَضِيِّ في عبادةِ النّارِ والعار، حتى نكونَ، الى الرّبحِ، وطنياً، أَقربَ منّا الى الخسارة، آثرنا الوقوعَ، باستمرار، في شَركِ الشّيطان، وفاتَتنا فِطنةُ الثّورة، إلّا بِمقاماتِ الكلامِ.
فالثورةُ هي أَجرَأُ رحلةٍ تُبَرهِنُ على أنّ البَعثَ ليس مستحيلاً، وتُعالجُ انحرافاتِ الذين أَنفَت رؤوسُهم عن جسمِ الوطن. وكان، لازِماً، اتّصالُها بجِلدِ النّاس، لكي لا ينزحَ عن تَذكَرَتِهم أنّ الوطنَ هو خُبزُهم الصَّلبُ العود، وليس رقعةً مُتَقوقِعةً في قُمقُمِ الزّمانِ والمكان، يتمدَّدُ فوقَها لُهاثُ ذِئابٍ ناهِشَة، كانزةٍ تَوَرُّدَ خَدِّها من خَجَلِنا.
نحن مُمَدَّدونَ فوقَ بساطٍ من الحزنِ والتَّلاشي، مُظهِرونَ لعاطفةِ اليأس، ومأسَوِيَّةِ البُؤس، جراحُنا تُنَغِّصُ علينا عَيشَنا، نخوضُ في مواضيعِ العَدَمِ والاحباط، ونَثِبُ الى مواسمِ الموت، وسَهمُ الذين حكمونا ينطلقُ الى رِميتِهِ بِيُسرٍ ملموس، وطريقُهُ الى قَتلِنا غيرُ ضَيِّق. ما لنا نعالجُ الجرحَ بالبَشاشة، والقتلَ بالرويّة، والحزنَ بالخَجَل؟ إذا كان الذين كانوا حُكّامَنا مُتلِفين باعوا الدّارَ التي لم تكن، يوماً، في عمقِ عَصَبِهم، ولم يكن لهم سبيلٌ للتعلّقِ بها، وعدمِ الشكِّ بوصيّتِها، لذا، ينبغي أن تكونَ، معنا، أليفةَ الأحاسيس، وتَوَثُّبَ المشاعر، وفلذةَ المصير، وخَزنَ ثروةِ الوجود، وينبغي أن تكونَ ثورتُنا اقتحاماً لأَملاكِ الشّياطين...
أيّتها السنة الجديدة، ليتَكِ تثورينَ عن حقّ، لتَتِمَّ المصالحةُ بينَ أعوادِ الحِساب، والوطنِ.
أستاذ جامعي لبناني وكاتب