تُعد ظاهرة "عبد المأمور"، من الظواهر العربية المتجذرة، وتبرز بثقل لافت في بعض الدول، ويُرجح انتشارها الواسع في مصر، حيث تتردد العبارات في الأفلام، والحكايات الشعبية، كما تستخدم في عدد من المهن، لا سيما في الوسطين، القانوني والإعلامي.
وللأخ الدكتور سعد بن طفلة رأي دقيق في استعلاء بعض العرب في الوسط الإعلامي، على دول الخليج العربي، بصفتهم محدثي نعمة الثروة النفطية، وأضيف شخصياً إلى هذا الرأي ما أراه في المرفق القانوني.
"عبد المأمور" مصطلح دارج يلوذ به بعض الموظفين لتبرير أفعالهم، وتنفيذ أوامر "المعزّب"، ومصدر الرزق في الجهات الحكومية، مهما كانت تلك الأوامر مجافية للقانون، والواقع أو الاخلاق.
وتتجلى شطارة، "عبد المأمور"، واعتباطية لدى من امتهنوا ما يمكن تسميته -مجازا- بالترزية القانونية؛ خياطون بارعون في لي عنق الحقيقة، ومحترفون في تفصيل القضايا على مقاسات غير قانونية، وتسويق التهم، وتشويه الذمم، بل وقراءة النوايا!
ومن طرائف "عبد المأمور"؛ حادثة حصلت قبل حل "مجلس 2024"، حين قرر بعض "المستشارين" القانونيين العرب، ممن يزعمون النزاهة، والخبرة، القبول بأي وظيفة خاصة، وبأي أجر، فقط مقابل البقاء في الكويت.
لم يكن الدافع خافياً؛ ففارق العملة بين البلد الأم والدينار الكويتي كفيل بتبرير التنازل عن هالة "المستشار"، والخبرات القانونية المزعومة.
بالطبع، لا يجوز التعميم؛ فهناك كفاءات عربية ترفض الانصياع لظاهرة الترزي "عبد المأمور"، وقد تضطر هؤلاء الأوضاع السياسية، والعسكرية المضطربة في أوطانهم، للبحث عن فرص عمل من دون التفريط بالمبادئ الأخلاقية، والاجتماعية.
ومن الوقائع غير الطريفة، بل المستهجنة أن إحدى الوزارات أنهت خدمات نحو سبعة "قانونيين" ضمن سياسة الإحلال لديوان الخدمة المدنية، فعاد معظمهم إلى البلد الأم، بعد تسلم مستحقاته كافة.
لكن المفارقة أن فرقة "عبد المأمور" عادت لاحقاً إلى الوظيفة الحكومية ذاتها، من دون اعتراض ديوان الخدمة المدنية، بقرار وزير متواضع في التفكير، والتدبير أو كما وصفه مرجع حكومي ثقيل الوزن، بأنه شخص "غير سوي".
والأدهى أن بعض أفراد فرقة الخياطة القانونية وافقوا على العمل من دون أجر إلى حين سداد "المستحقات" بالتقسيط، أي إعادة المال العام بطريقة غير محاسبية من دون اعتراض الجهات الرقابية!
هل يجوز السداد بهذه الطريقة غير المحاسبية؟ لا نعلم، ذلك لأن الشفافية مُغيبة!
كيف تم هذا التعاقد مجدداً؟ لا نعلم أيضا؛ لكن يُرجح مهارة فرقة الترزية "عبد المأمور"، لعبت دورها، بعدما باشروا خياطة الشكاوى، والتحقيقات الإدارية، مقابل رضا الوزير.
ومن المؤسف غياب رقابة حكومية صارمة تمنع فرقة "الترزيه عبد المأمور" من العمل في مكاتب قانونية خاصة، بعد الدوام الرسمي، بحثاً عن زيادة الدخل، أو ما يشبه التسوّل الوظيفي، والمادي.
ففرقة "عبد المأمور" تحرص على محاربة الكفاءات الوطنية في المجال القانوني تحديداً، كي لا تضيع فرص التكسب الوظيفي، مهما كانت طبيعته أينما كانت الأوامر: انتقامية، أو انتقائية.
يتلون أصحاب السعادة "الترزية" غب الطلب، ليكونوا جميعاً "عبد المأمور" بالدرجة الممتازة، حفاظاً على تدفق السخاء المادي، والركض وراء "لقمة العيش"، ولو كان الثمن التضحية بالمبادئ، والقواعد القانونية، وإلحاق ضرر بالغ بالآخرين.
إنهم يكذبون بصدق؛ لذلك يبدعون في مهنة "المستشار الترزي...عبد المأمور".
...كل سنة وأنتم بخير.
KAltarrah@