ثمة من يسأل كيف يمكن للدولة أن تستثمر مالها السيادي في الداخل، فلا الاقتصاد بحجم يقبل هذه الأموال الضخمة، ولا مساحة البلد تستوعبه؟
هذا السؤال مردود عليه، ومن جوانب كثيرة، فالدول ليست بالمساحة، إنما بالخطط والمشاريع، وكذلك توظيف المال بالشكل الصحيح، فهناك دول أصغر من الكويت، ولديها اقتصاد قوي، بينما أخرى اعتمدت على مشروعات تنموية تدر عليها أموالاً كثيرة، لأنها كانت لديها رؤية اقتصادية للمستقبل.
في هذا المجال، الكويت يمكنها أن تكون جامعة العالم، وهذه حقيقة، إذ ماذا يمنع من وجود 50 أو 100 جامعة متنوعة الاختصاصات، يأتي إليها طلبة العالم من شتى أنحاء المعمورة، بشرط أن تكون بعيدة عن القوانين المعقدة، كذلك هناك الطبابة السياحية، فما المانع أن يكون لدينا 30 أو 50 مستشفى دوليا تخصصياً، وفنادق تستوعب هؤلاء الزوار، وغيرهم ممن يأتون إلينا؟
أيضاً ثمة اليوم في العالم شركات كبرى لا تحتاج إلى الكثير من المساحات، لأنها تعتمد على صناعة التكنولوجيا، والبرمجيات، وهذا قطاع مهم حالياً، والدول بدأت تستثمر رؤوس أموال كثيرة فيه.
كذلك هناك الصناعة، إذ تستطيع الدولة تشجيع هذا القطاع المهم، فلا تبقى تحت رحمة الاستيراد، إلى حد أننا نستورد حتى علبة الكبريت، وفي هذا الجانب فقط على الحكومة تخفيف الضغط على الصناعيين، ولا تعرقل عملهم، كما يجري حالياً، بل تمنحهم محفزات ليعملوا بحرية.
في مجال آخر، وأكثر أهمية، تعزيز الحيازات الزراعية، ففي يوم ما كانت الكويت تصدر الورد وغيره إلى بعض الدول، لذا يمكن استغلال تلك الزراعات في الاكتفاء الذاتي، والتصدير إلى الخارج، كما يمكن تنشيط السياحة الزراعية، وهذه لها مردود مالي كبير، إضافة إلى ذلك هناك مشاريع الترفيه التي تخفف الضغط على استنزاف الأموال، كما أسلفنا أمس.
نعود مرة أخرى إلى القول إن الدول المجاورة، الخليجية تحديداً، ليست أفضل من الكويت، فهي عملت على بناء اقتصاد متنوع، ففي الإمارات، مثلاً، بلغت مساهمة الإيرادات غير النفطية من الناتج المحلي نحو 70 في المئة، بينما في السعودية بلغت نحو 50 في المئة.
إن هذه الحقائق يجب أن تكون لدى أعضاء مجلس الوزراء، فهو اليوم لديه الإمكانات كافة كي ينطلق نحو خطة تنموية شاملة، من أجل تنشيط الاقتصاد الوطني، وكذلك فتح البلاد أمام الاستثمارات المحلية، والخارجية، وهذا ليس صعباً، فالوافدون إلينا من عمالة أو زائرين، هم قيمة مضافة، وهو ما فعلته دول "التعاون" الخليجية الأخرى، التي فتحت أبوابها للجميع، وأسست لاقتصاد متنوع المداخيل، ولم تضيق على الناس.
على صعيد المثال، إن الذين شيدوا الأبراج والمدن والمصانع، في تلك الدول، لم يأخذوا ما بنوه معهم، بل هم رحلوا وبقيت تلك العمارات، وهنا أذكر ما قاله المرحوم الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، حين جاء إليه بعض وجهاء دبي، في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، واعترضوا على شراء كويتيين أراضي في الإمارة، وشيدوا عليها عمارات، فقال لهم: "هؤلاء يبنون في دبي، وهم سيرحلون وتبقى العمارات".
لذا، فإن المطلوب ليس عرقلة أعمال الناس، إنما تسويق الفرص برجاحة وزهو أولاً، وثانياً التفكير الذكي في توظيف المال السيادي، أو جزء كبير منه في البلاد، إذ يمكن تحويل الشمال والجنوب إلى مناطق اقتصادية نشطة، توفر آلاف فرص العمل، وتدعم الناتج الوطني، وتزيد من مداخيل الدولة، وتفتح الأبواب أمام تنويع مصادر الدخل، لا أن نبقى على "طمام المرحوم"، نرفع الرسوم على الناس فقط، فذلك يعني "دهنا في مكبتنا"، وهذا بالطبع لا يصنع اقتصاداً منتجاً.
فعلى سبيل المثال، لقد رفعت وزارة الصحة الرسوم على المقيمين، ومن رفعت عليه تلك الرسوم سيرفع الأسعار، وبالتالي إن الذي سيدفع هي الحكومة، وليست الشركات أو العامة، بينما هناك ألف طريقة لرفع الناتج الوطني، فالمهم أن يكون هناك من يعرف التعامل مع هذا الأمر.