الجمعة 09 يناير 2026
19°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
بين اختطاف مادورو ومؤتمر الرياض (1-2)
play icon
كل الآراء

بين اختطاف مادورو ومؤتمر الرياض (1-2)

Time
الاثنين 05 يناير 2026
بسام فهد ثنيان الغانم

يدخل العالم اليوم مرحلة جديدة من الصراع على الطاقة، وهي لم تعد تُدار فقط عبر السيطرة العسكرية التقليدية، أو الاتفاقات النفطية العلنية، بل من خلال إعادة هندسة الأسواق، والتحكم في تدفقات العرض، واستخدام الطاقة كسلاح، اقتصادي وسياسي، لإعادة تشكيل موازين القوى العالمية.

وفي ضوء هذه التحولات لا يمكن فصل التحركات الأميركية الأخيرة تجاه فنزويلا عن الستراتيجية الأشمل للولايات المتحدة في إدارة النظام النفطي العالمي، ولا عن سعيها طويل الأمد لتخفيف الاعتماد على نفط الشرق الأوسط، تمهيداً لمرحلة اضطراب إقليمي أوسع، وأكثر تعقيداً.

ما جرى في فنزويلا يمثل نقطة تحوّل فارقة، فاعتقال الرئيس نيكولاس مادورو في الثالث من ينايرالجاري خلال عملية عسكرية خاطفة، سبقها حصار بحري وضغوط مالية خانقة، لا يمكن قراءته بوصفه حدثاً داخلياً معزولاً، بل حلقة ضمن مسار ستراتيجي يهدف لإعادة إدماج أحد أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم ضمن منظومة النفوذ الأميركي، سواء عبر الإشراف الأمني، أو المالي أو التقني.

وإذا ما انتقلت إدارة النفط الفنزويلي فعلياً إلى إشراف أميركي مباشر أو شبه مباشر، فإن ذلك لن يكون مجرد تشغيل حقول، أو إعادة عقود شركات، بل تحوّلاً ستراتيجياً شبيهاً بما جرى في العراق بعد عام 2003، حين لم يكن الهدف زيادة الإنتاج فقط، بل استخدام النفط كأداة، سياسية واقتصادية، لضبط السوق العالمية وتوجيهها بما يخدم مصالح القوى الكبرى.

في هذا السيناريو يصبح خفض أسعار النفط هدفاً مشروعاً بحد ذاته، لا بوصفه نتيجة عرض وطلب فقط، بل كأداة سياسية تخدم الاقتصادات الصناعية الكبرى، وتخفف الضغوط التضخمية عنها، وتمنحها هامش مناورة أوسع في صراعاتها الجيوسياسية المقبلة.

ورغم أن الإنتاج الفنزويلي الحالي لا يزال محدوداً نسبياً، إذ يقدَّر بنحو 900 إلى 950 ألف برميل، فإن التقديرات تشير إلى أن إعادة تشغيل الحقول تحت إشراف أميركي، ومع تدفق التكنولوجيا والاستثمارات الغربية، قد ترفع الإنتاج تدريجياً بما يتراوح بين 150 و300 ألف برميل يومياً خلال السنة الأولى، مع قابلية للتسارع لاحقاً.

هذا الارتفاع وإن بدا محدوداً رقمياً في سوق يتجاوز حجم الطلب فيه 100 مليون برميل يومياً، إلا أن أثره الحقيقي يكمن في البعد النفسي والسياسي، فالأسواق لا تتفاعل مع الكميات فقط، بل مع الرسائل، ورسالة السيطرة على نفط فنزويلا تعني أن الولايات المتحدة باتت تمتلك هامشاً إضافياً لإغراق السوق عند الحاجة، أو التلويح بذلك، بما يكفي لإبقاء الأسعار تحت ضغط مستمر. انخفاض أسعار النفط إلى مستويات قد تلامس أو تنخفض عن 40 دولاراً للبرميل، وإن بدا للبعض سيناريو متطرفاً على المدى القصير، لم يعد مستحيلاً على المدى المتوسط، في ظل وفرة الإمدادات، وتباطؤ النمو العالمي، واستخدام الطاقة كسلاح سياسي، فالحصار البحري الأميركي غير المعلن، الذي سبق الاعتقال واستهدف السفن المرتبطة بالصادرات الفنزويلية، قدّم نموذجاً واضحاً لكيف يمكن للأدوات، البحرية والمالية، أن تحل محل التدخل العسكري المباشر في إدارة أسواق الطاقة، عبر تعطيل الشحن، ورفع كلفة التأمين، وإرباك سلاسل الإمداد، دون إطلاق رصاصة واحدة. هذا المستوى السعري إذا تحقق لا يضرب فقط موازنات الدول المنتجة، بل يعيد صياغة العقد الاجتماعي في الدول الريعية، ويضع المجتمعات أمام اختبارات قاسية تتعلق بالدعم، والضرائب، والوظائف، والإنفاق العام. كما أن ردود الفعل الدولية، أو بالأحرى غيابها النسبي، تعزز هذا المسار.

وفي ما يتعلق بردود الفعل الدولية، والداخلية، على ما جرى في فنزويلا، يبدو المشهد أكثر تعقيداً من مجرد انتصار سريع أو هزيمة صريحة، فرغم الإدانة العلنية الصادرة عن روسيا والصين لاعتقال الرئيس الفنزويلي، فإن محدودية ردودهما العملية، مقارنة بحجم الاستثمارات التي خسرتها الدولتان، من قروض بمليارات الدولارات ودعم عسكري وتقني، تكشف حدود قدرتهما على تحدي النفوذ الأميركي في أميركا اللاتينية، في هذه المرحلة.

هذا التباين بين الخطاب السياسي، والفعل الميداني يعكس إعادة ترتيب للأولويات، حيث تجد موسكو نفسها منغمسة في استنزاف طويل على الجبهة الأوكرانية، بينما تفضّل بكين إدارة الخسارة بهدوء، وتجنّب الصدام المباشر، في ما يُعد تقليدياً ضمن المجال الحيوي لواشنطن.

في المقابل، لا يمكن افتراض أن الداخل الفنزويلي سيسلّم بسهولة بالواقع الجديد؛ فالمجتمع، بما يحمله من ذاكرة تاريخية وهوية قومية متجذرة، مرشح للدخول في نمط من المقاومة الصامتة، أو المتقطعة، بما يحوّل السيطرة السياسية السريعة إلى تحدٍ طويل الأمد، ويفتح الباب أمام معركة استنزاف غير معلنة لا تُحسم فيها النتيجة سريعاً.

آخر الأخبار