في السطور التالية، قصة دولة أدمنت الفشل طوال عقود، لأنها لم تكن لديها رؤية حكيمة للإدارة، فيما غيرها من الدول كانت تستثمر في ثروات أقل منها موارد، ونجحت في ذلك، بينما الدولة التي نتحدث عنها كانت فاشلة بكل المعايير.
خلال السنوات الأخيرة، وبعد الانهيار الاقتصادي الكبير، والمجاعة التي شهدتها فنزويلا، ثمة طرفة سرت بين شعبها كانوا فيها يتهكمون على الحكم القائم، وهي أن "حمية مادورو خفضت أوزان الفنزويليين 11 كيلوغراماً وكل سنة يزيد الانخفاض".
هذه الحقيقة تخفي خلفها مسيرة طويلة من المعاناة بدأت منذ عام 1958، حين تخلت الدولة عن رؤيتها الاقتصادية، التي جعلتها في عام 1950 رابع اقتصاد في العالم، بثروة كبيرة اعتمادا على النفط الذي كان المورد الرئيس، علماً أن لديها ثروات كبيرة من المعادن غير المستغلة، إضافة إلى الزراعة والسياحة التي كانت تدر عليها الكثير من الموارد المالية.
خلال نحو 30 عاماً، أي بين الخمسينيات والثمانينيات من القرن الماضي، كان الشعب الفنزويلي يتمتع بالكثير من الرفاهية، بينما كان الإنفاق الاستهلاكي غير المحسوب هو الأساس في كل ذلك، فالدولة اعتمدت على مصدر وحيد للدخل، ولم تُبنَ صناعات قوية، أو بدائل اقتصادية، وكانت تسخى بدعم كل شيء.
لذا جعلت "لعنة الاكتفاء بمصدر وحيد للدخل"، يشعر الشعب بالفقر حين انخفضت أسعار النفط في الثمانينيات، وعدم وجود مداخيل تفي حاجاته اليومية، بينما كان يعيش على أرض تحتها الكثير من الكنوز المهدورة.
هذا جراء غياب إدارة اقتصادية محترفة تعي ما لدى الدولة من موارد يمكنها إنهاض الشعب، إلا أن السياسات غير الحصيفة، وتدخل الأيديولوجيات المبنية على أفكار مغامرة، أدت إلى الفشل الكبير، وتفشي الفساد والرشوة وتنصيب الأغبياء.
ما جعل الناس يفرون من البلاد طلباً للعيش الكريم، حتى وصل عدد المهاجرين، وبطرق غير مشروعة، إلى نحو سبعة ملايين، وهو رقم كبير نسبة إلى عدد السكان (28 مليون نسمة).
اليوم، ووفقاً للإحصاءات، يبلغ الاحتياطي النفطي لفنزويلا 303 مليارات برميل، ما يجعلها الدولة الأولى في العالم بهذا الشأن، إضافة إلى ثروات كبيرة من الذهب والماس، والحديد، البوكسيت، والنيكل والفوسفات، والليثيوم، وكذلك أراض زراعية بمساحات كبيرة مهملة، فيما كانت توصف في العقود الماضية، وقبل الأزمة الاقتصادية الخانقة أنها "سلة غذاء أميركا اللاتينية".
لذا، إن الاعتماد على مصدر وحيد للدخل يكون لعنة، إذا اقترن بالفساد والمحسوبيات في الإدارة، والمغامرات السياسية والاقتصادية، وفرض الحكم الشيوعي فيها بالقوة، فانهارت اقتصادياً، وبات اليوم نحو 91 في المئة يرزحون تحت خط الفقر، بينما بلغت نسبة الدين الخارجي إلى الناتج الإجمالي المحلي 200 في المئة، بواقع 170 مليار دولار أميركي.
قصة هذه الدولة التي فشلت جراء عدم وجود إدارة اقتصادية تخطط للمستقبل، وتعمل على تنويع مصادر للدخل، وتنفطم عن النفط، يمكن أن تتكرر في دول أخرى، كما جرى في جزيرة ناورو التي اعتمدت على الفوسفات في دخلها الوحيد، وحين استُنزف دخلت دائرة الفقر، بينما اليوم تعتمد على المساعدات الخارجية.
في هذا العالم ثمة الكثير من الدروس المجانية للدول التي تفكر في المستقبل، وتتلافى السقوط في فخ الاعتماد على دخل وحيد كالنفط.
لذا، فإن الدول التي لا تعرف كيف تستثمر مدخراتها وأموالها السيادية، فهي دول لا تعرف كيف تسوق فرصها الاقتصادية والصناعية.