الجمعة 09 يناير 2026
19°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
التصنيف الإئتماني... من التيسير إلى التحفيز
play icon
كل الآراء

التصنيف الإئتماني... من التيسير إلى التحفيز

Time
الاثنين 05 يناير 2026
د.بدر عثمان مال الله

الدَّين العام، بالجامع المانع، و"لمن لا يحضرهُ الفقيه"، بالإذنِ من الشيخ الصدوق، هو الأموال التي تقترضها الحكومات والمؤسسات العامة، إما من السوق الداخلي أو الخارجي، وتلتزم بسدادها مع فوائدها خلال فترة زمنية محددة.

وأدوات الدين متنوعة من حيث سعر الفائدة ومدة السداد، ولها تسميات متعددة، لكنها لا تخرج كثيراً عن أذونات الخزانة والسندات والقروض المباشرة والصكوك (الإسلامية)، وشهادات الإدخار، وذلك كله للتعريف المبسط، إذ إن شؤون الدَّين العام على جانب كبير من التعقيد، وإدارته أكثر تعقيداً، وتتطلب احترافية ومهنية عالية، ودراية بالسياسات النقدية والمالية، والاستثمار والاقتصاد الكلي.

والدَّين العام إما أن يكون أداة بناء، أو يتحول، دون تلك المتطلبات، إلى عبء يثقل المالية العامة، ومغامرة الدخول في "مصيدة الدَّين" التي يصعب الخروج منها بسهولة.

وفي كل ذلك، تؤدي وكالات التصنيف الإئتماني الرئيسية، (فيتش، موديز، ستاندرد أند بورز) دوراً ضمنياً في تحفيز الدخول بهذه المصيدة، ولا عجب، فهي جزء من اللاعبين الأساسيين في النظام المالي العالمي، وإذا أضفنا لها نظام المعاملات المالية العالمية "سويفت" فإن صورة التحكم تبدو أكثر وضوحاً. فتلك الوكالات تحفز الإقتراض، و"سويفت" يعاقب عدم السداد. والمسألة التي يجب الانتباه لها هي أن التصنيف الإئتماني يركز على القدرة على السداد، ولا يلتفت باهتمام إلى جدوى الاقتراض، ولا يهم إن كان الدَّين لتغطية الرواتب، أو لتمويل مشاريع منتجة، طالما أن المقترض قادر على الإلتزام بالسداد، أيا كان مصدره، وهنا تتحول حسابات الإقتراض من أداة للنمو والتنمية إلى كم محاسبي لا مضمون اقتصادي له.

والمشكلة في كل ذلك، أن التصنيفات الإئتمانية لم تعد مجرد رأي لمؤسسات تُصيب وتُخطئ، بقدر ما أصبحت "ختم تصديق" أشبه بالقرار السيادي، يلتزم به الجميع، المُقرض والمقترض والمستثمر، والخروج عنه تمرد على قواعد اللعبة.

وفي ذلك، تحاول هذه المقالة الغوص في أعماق الموضوع، سواء حين يكون الدَّين العام مفيداً، أو يُصبح مُضراً، والأمر هنا يتوقف على وضوح الرؤية، وخطة التمويل، وبرنامج السداد، وكفاءة إدارة الدَّين، إذ تشكِّل تلك مجتمعة محاور إرتكاز أساسية لكفاءة وسلامة الإستدانة، وفي ضعفها، أو غيابها، تكون النتائج غير سارة.

والركون فقط إلى تصنيف ائتماني مرتفع وحده للإقتراض، دون تلك المرتكزات، وإن استند إلى مصدات مالية مُعتبرة، سيكون محفوفاً بالمخاطر. فوكالات التصنيف، وهي غربية المنشأ والنزعة، يهمها في المقام الأول تحريك وتنشيط أسواق التمويل في الوقت ذاته الذي تُحفز فيه المقترضين من خلال دفعهم لتوفير ضمانات السداد بغض النظر عن مآل، وأغراض الإستدانة، وهو ما يتعين الإنتباه له.

وفق أحدث البيانات يقدر الدَّين العام العالمي بنحو 111 تريليون دولار، وإذا أضيف اليه القطاع الخاص والأفراد، فإن إجمالي الدين الكلي يقدر بنحو 337 تريليونا، أي ما يعادل 300 في المئة من إجمالي الناتج الإجمالي العالمي.

وتستحوذ الولايات المتحدة والصين على نحو 51 في المئة من إجمالي الدين العالمي، في حين تقدر مديونية اليابان بنحو12 تريليون دولار، وهنا يبرز سؤال مهم: كيف تتحمل هذه الدول مديونية عالية، لها آثار كبيرة على النظام المالي العالمي، دون أن تنهار اقتصاديا، في حين تواجه دول، مديونيتها أقل، بكثير أزمات اقتصادية ومالية يصل بعضها إلى حد الشلل، أو الانهيار، وكانت المديونية لها درساً قاسياً؟

ويجب أن تنتبه الدول النامية هنا، فلا تحذو حذو الدول الكبرى المشار إليها، ولا تبرر استمرارها في الاستدانة بذلك، فتلك الدول تتوافر لديها المرتكزات المشار إليها أعلاه، كما أنها تقترض بعملاتها (الولايات المتحدة بالدولار، الصين باليوان، اليابان بالين)، ولديها مساحة كبيرة لطباعة النقد والتحكم فيه، وسياسات نقدية فعالة، وإدارة نشطة واحترافية للدَّين العام.

أضف إلى ذلك، أن إقتصاداتها قوية، وقطاعاتها الإنتاجية كبيرة، وقدراتها التصديرية عالية، والطلب على ديونها مرتفع جداً، وديونها أداة سياسة إقتصادية لتحفيز النمو وتنشيط الدورة الإقتصادية، وتمويل البنية التحتية، وليست لتمويل العجز والإنفاق الجاري، وفي ضوء ذلك، تتغاضى وكالات التصنيف الإئتماني عن مديونية تلك الدول، في حين تُعاقب هذه الوكالات دول نامية مديونيتها أقل بكثير. رغم الهالة الكبيرة لوكالات التصنيف الإئتماني، هالة يتصورها البعض كاليقين بتصنيفاتها، وكأن ما تقوله لا يحتمل الإختلاف، وتحولت إلى سلطة شبه سيادية، تحكم أسواق الإقتراض، بتقييمٍ واحد ترفع كلفة الإقتراض على دولة وبآخر تُخفضها، لكن رغم ذلك، فإن المطلوب النظر إليها من زاوية نقدية أخرى تستقرأ مخاطرها، هناتها وعثراتها. والسؤال المهم هنا: هل تعمل هذه الوكالات على ضبط المديونية أم تحفيزها؟

إنها تحفزها دون شك، فتجعل الإقتراض طريقاً سهلاً أكثر من الطريق الشائك للإصلاحات الهيكلية، لكنه طريق يؤدي إلى معالجات فورية، وليس لحل معضلات إقتصادية طويلة، ومزمنة، ويعتبر طوق النجاة، والمديونية التي لا تُستثمر في ذلك يكون ضررها أكبر من نفعها.

من المفترض أن وكالات التصنيف الإئتماني تهدف إلى ضبط المديونية والتنبيه لمخاطر التخلف عن السداد للمقرض، غير أن تصنيفاتها أصبحت بمثابة تحفيز للسلوك الإقتراضي الحكومي. تصنيف مرتفع؛ فائدة منخفضة، إقتراض أسهل، إقتراض أسهل؛ تأجيل الإصلاحات الهيكلية الصعبة، وهكذا يتحول التصنيف المرتفع من تحذير إلى إغراء خصوصا لاولئك الباحثين عن الحلول السريعة، فيتوالى السلوك الإقتراضي إلى أن يدخل المقترض في "مصيدة الدَّين".

المدير العام السابق للمعهد العربي للتخطيط

آخر الأخبار