كيف يواجه الخليج مرحلة النفط والتحولات الجيوسياسية بعد تطورات فنزويلا؟
بالنسبة لدول الخليج العربي: لا يقتصر التحدي على الجانب المالي وحده، بل يمتد إلى البنية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. فمرحلة النفط الرخيص تعني تقلص الفوائض، وضغطاً متزايداً على الصناديق السيادية، وتسارعاً في وتيرة الإصلاحات الاقتصادية التي قد تصطدم بحساسيات داخلية دقيقة، إلى جانب اشتداد المنافسة في الأسواق الآسيوية، خصوصاً مع النفط الفنزويلي الثقيل، ما يضاعف الضغط على الإيرادات العامة.
التعامل مع هذا الواقع يتطلب قراءة صادقة للمشهد، بعيداً عن خطاب الطمأنة المفرطة أو الذعر غير المنتج.
اقتصادياً: لم يعد مقبولاً أن تبقى الصناديق السيادية مجرد أدوات لتمويل العجز، بل يجب إعادة توجيه جزء معتبر من أصولها لاستثمارات منتجة داخل الاقتصادات الوطنية، في الصناعة، والأمن الغذائي، والتكنولوجيا المتقدمة.
كما أن إدارة الديْن العام تصبح مسألة توازن دقيق؛ فالاقتراض قد يكون أداة مرحلية مشروعة لتجاوز الصدمات، لكنه يتحول إلى عبء خطير إذا استُخدم كبديل عن الإصلاح الهيكلي، وفي حال استمرار الأسعار المنخفضة سيكون من الصعب تجنب توسيع قاعدة الضرائب غير المباشرة.
لكن نجاح ذلك مرهون بالعدالة والشفافية. المجتمعات الخليجية قد تتقبل الضرائب، إذا رافقها وضوح في أوجه الإنفاق، وتحسن ملموس في جودة الخدمات، ومكافحة حقيقية للهدر والفساد، وإشراك فعلي للمواطن في القرار الاقتصادي.
أما فرض الضرائب دون إصلاح مؤسسي موازٍ، فسيحوّل الأزمة الاقتصادية إلى أزمة ثقة تهدد الاستقرار الاجتماعي.
اجتماعياً: تكمن الخطورة الحقيقية لمرحلة النفط الرخيص في اهتزاز التوازن الاجتماعي، لا في انخفاض الدخل وحده، لذلك يصبح الاستثمار في الإنسان أولوية قصوى، عبر التعليم النوعي، وإعادة تأهيل سوق العمل، وتمكين الشباب من الانخراط بقطاعات غير نفطية قادرة على توليد قيمة مضافة، لأن المجتمعات، التي تُدار بمنطق الأرقام فقط، تكون أكثر هشاشة أمام الصدمات.
سياسياً: لا يمكن فصل التحديات الاقتصادية عن البيئة الأمنية المحيطة بالخليج، فالأوضاع في اليمن، والتوتر مع إيران، وحالات الانهيار في الصومال والسودان، وما يجري في غزة، تشكّل طوقاً جغرافياً ضاغطاً يجعل أي هزة اقتصادية أكثر خطورة.
تحت هذا الضغط، يصبح تجاوز الخلافات البينية داخل الإقليم مسألة مصيرية تتقدم على أي حسابات أخرى، لأن استمرار الانقسام يفتح الباب أمام فرض ترتيبات إقليمية من الخارج.
مؤتمر الرياض: في هذا الوضع الإقليمي شديد الحساسية، تبرز أهمية مؤتمر الرياض المقبل بوصفه محطة مفصلية لا تحتمل التأجيل أو المجاملة السياسية، فالأزمة اليمنية لم تعد ملفاً حدودياً أو أمنياً منفصلاً، بل أصبحت أحد أخطر عناصر استنزاف الاستقرار الخليجي، خصوصاً في مرحلة تتزامن مع ضغوط نفطية محتملة وأسعار مرشحة للانخفاض، واستمرار هذه الأزمة المفتوحة يعني مضاعفة كلفة أي صدمة اقتصادية مقبلة، وفتح ثغرة دائمة في خاصرة الخليج يمكن استغلالها ضمن صراعات النفوذ الإقليمية والدولية.
إن الالتفاف الجاد حول مؤتمر الرياض، والانخراط فيه بروح الحل لا بروح إدارة الأزمة، بات ضرورة ستراتيجية لا تقبل التأجيل، فالحل الحاسم للأزمة اليمنية، القائم على تسوية سياسية شاملة تحفظ وحدة اليمن، وتُنهي حالة الاستنزاف، لم يعد خياراً إنسانياً أو أخلاقياً فقط، بل أصبح مصلحة أمن قومي خليجي مباشرة.
نجاح مؤتمر الرياض في إنتاج حل واقعي ومستدام سيبعث برسالة واضحة إلى العالم أن دول الخليج قادرة على إدارة أزماتها الإقليمية بنفسها، وأنها ليست ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية، كما أنه سيُسهم في تخفيف الطوق الجغرافي الضاغط، ويمنح دول الخليج مساحة تنفس أوسع للتفرغ لمعالجة تحدياتها، الاقتصادية والاجتماعية، في مرحلة عالمية مضطربة، وأما الفشل أو الاكتفاء بحلول شكلية فسيُبقي الأزمة مفتوحة، ويجعل كلفتها أعلى في لحظة تاريخية لا تحتمل مزيداً من النزيف.
على المستوى الإقليمي: يظل الحفاظ على دور فاعل داخل منظمة "أوبك" ضرورة ستراتيجية، ليس للدفاع عن سعر محدد، بل لمنع الفوضى في السوق العالمية، فالنفط الرخيص قد يخدم بعض الدول الصناعية موقتاً، لكنه على المدى المتوسط يخلق اختلالات حادة تعيد الأسعار للارتفاع بشكل أكثر عنفاً، وهو ما لا يخدم الاستقرار العالمي، ولا مصالح المنتجين، ولا المستهلكين على حد سواء.
في المحصلة، نحن أمام مرحلة لا يكفي فيها انتظار ما ستفعله القوى الكبرى، بل تتطلب استعداداً واعياً لأسوأ السيناريوهات بعقل بارد، ورؤية بعيدة، فالنفط قد ينخفض سعره، وقد تُدار أسواقه بأساليب أكثر عدوانية، لكن الدول التي تمتلك مؤسسات قوية، واقتصادات متنوعة، وصناعات متقدمة، ومجتمعات متماسكة، قادرة على تحويل الأزمات إلى فرص.
التاريخ لا يرحم الاقتصادات التي تعيش على مورد واحد، ومساره لا يتغير بالحظ أو التمنّي، بل تصنعه الدول التي تُحسن قراءة التحولات، وتختار التغيير بإرادتها، قراراً شجاعاً ورؤية بعيدة، قبل أن يُفرض عليها بالقوة، وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه الخليج في السنوات المقبلة.