الأربعاء 29 أبريل 2026
24°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الاتزان... قوة ناعمة
play icon
كل الآراء

الاتزان... قوة ناعمة

Time
الثلاثاء 06 يناير 2026
فاطمة ناصر المزيعل
مرايا الروح

في زحمة الحياة، ما أكثر ما نُنهك أنفسنا لا بالأحداث ذاتها، بل بما نُضفيه عليها من تضخيمٍ أو تهويل.

فنحن لا نتألم من المواقف بقدر ما نتألم من الطريقة التي نراها بها، ولا نتعب من الناس بقدر ما نُجهد قلوبنا بتفسيرهم. إنّ كثيراً من الاضطراب الإنساني يبدأ حين نفقد القدرة على وضع الأمور في إطارها الصحيح، فتكبر الصغيرة في داخلنا، وتصغر الكبيرة في أعيننا، فنمضي في تيهٍ بين الإفراط والتفريط.

أن تمنح الأشياء حجمها الحقيقي، هو نوعٌ من الحكمة الهادئة التي لا تُكتسب بالعلم وحده، بل بالخبرة والوعي والصدق مع النفس. فالمشكلة ليست دائماً عدواً يستحق الحرب، ولا الكلمة الجارحة زلزالاً يستحق الانهيار.

هناك لحظات تحتاج فقط إلى أن تراها من بعيد، أن تُدرك أن وقعها موقت، وأن أثرها سيمرّ كما مرّت غيرها. الاتزان ليس تجاهلاً، بل رؤيةٌ متّزنةٌ تفرّق بين ما يستحق طاقتك، وما يستحق التجاوز.

إنّ المبالغة تُنهك القلب؛ تُثقله بالتفكير وتُربكه بالتحليل، حتى يغدو الإنسان أسيراً لما يفترض لا لما هو كائن.

وفي المقابل، فإن التقليل المفرط يُربك الفهم ويشوّه الإحساس بالواقع، فالحكمة كلّها في الوسط، في أن تُقدّر الموقف، دون أن تُضخّمه، وتتعاطف مع مشاعرك، دون أن تستسلم لها، وتفهم الآخرين، دون أن تُرهق نفسك بتبرير أفعالهم.

وما أجمل أن نتذكّر أن قسوة كلمة من شخصٍ نحبه لا تعني أن قيمتنا قد اهتزّت، بل ان قلبنا فقط تأثّر، وهذا طبيعي. فالمشاعر تتأرجح، لكن الكرامة تبقى ثابتة، إذا وضعنا كل شيء في موضعه الصحيح.

ليست كل خيبة نهاية، ولا كل نقد إهانة، ولا كل صمت ضعفاً. هناك حدود دقيقة بين ما يُجرح وما يُعلّم، بين ما يُهدم وما يُبنى. أن تمنح الأشياء حجمها الحقيقي يعني أن تعيش بخفة، لا تُبالغ في الخوف ولا في الفرح، لا تندفع وراء الظنون ولا تُطفئ وهجك بالشك. إنه فنّ يُعيدك إلى مركزك، حيث سلامك الداخلي هو المقياس، لا مزاج الآخرين ولا تقلب المواقف.

فكلّ شيءٍ في الحياة يستحق قَدْره فقط. لا أكثر ولا أقل.

وحين تبلغ هذا الوعي، ستكتشف أنّ الاتزان ليس بروداً، بل قوة ناعمة تحفظ لك قلبك من التبدّد، وتمنحك بصيرة ترى بها العالم على حقيقته: بسيطًا، متغيّرًا، لكنه لا يستحق أن يسرق طمأنينتك.

كاتبة كويتية

آخر الأخبار