إنّ الذين فوَّتوا الفرصةَ على إنجازِ مشروع الدّولةِ التي تتفرَّدَ بالسلطةِ، من دونِ مشاركةِ حالاتٍ تستقوي عليها بوسائلَ مشبوهة، أخذوا على عاتقِهم تغييرَ صورةِ الوطنِ، من خلالِ نَحرِ ديمقراطيّتِهِ، وعن قَصد، لإعادته الى زمنِ الانحطاطِ البائد.وما يفعلونَ، يندرجُ في قائمةِ الخيانةِ العُظمى التي تستوجبُ أقصى العقوبات وأقساها، لو كنّا في بلادٍ تقيم للكرامةِ الوطنيّةِ وَزناً.
لقد طُلِيَ قبرُ الانحطاطِ، في العالَمِ الرّاقي، بالكِلس، ليُسجَنَ ذِكرُهُ الى الأبد. وانبلجَ فجرُ ظاهرةٍ مُمَدمَكَةٍ على حقٍّ يرسّخُ شَرَف الوجود، وهو الحريّة. فأيُّ رَفاهٍ للإنسانِ دون الحريّة، وأيُّ خلاصٍ من الذلِّ والتَحَكُّمِ بالمصائرِ، إذا اغتيلَ الأملُ بالحريّةِ؟
والانحطاطُ يعني، أيضاً، الطبقيّةَ التي تغتال المساواةَ، وتمتِّنُ نظامَ التَّفرقةِ بينَ ذَوي النّفوذِ والثّروة، وسائرِ الشّعبِ الذي يغدو أفرادُهُ رعايا، أو تُبَّعاً.
من هنا، يسودُ الظّلم، وحكمُ الأَقوى، والقَهرُ، والإخضاعُ، والإجبار، وتَستظلُّ مجموعةُ ليسَت قليلة من الناسِ بالخُضوعِ والقَبول.
إنّ الحقَّ هو إِرثُ الديمقراطيّة، والحريّةَ هي تَوأَمُها. فهَدرُ دمِ الديمقراطيةِ بقَتلِ الحقِّ بالحريّة، هو عمليّةُ إعدامٍ مرفوضةٌ يأتيها مَن يختلقونَ قِناعًا كاذِباً، تحريضياً، شاحِناً للكراهيّة، يدَّعي الحفاظَ على الأرضِ والشَّعب، لكنّه مُوَجَّهٌ بنزعةٍ إنقلابيّةٍ تُسَرِّبُ إيديولوجيّةً إنحطاطيّةً تُؤَصِّلُ الرجعيّةَ والقَبَليّةَ والعشائريّة، ليعودَ صَوتُ الانحطاط يُقَهقِهُ في صَميمِ الوطن.
إنّ الحقبةَ المأزومةَ التي خَدَّرَت الناسَ بهمومٍ لا تنتهي، شكّلَت غطاءً تَوسَّلَهُ أصحابُ الدّعوةِ للعودةِ الى عصرِ الإنحطاطِ المَمجوج، والبَغيض، حيث يُدَوّي التَخَلُّفُ، وإباحةُ المحرَّمات، وهَرَجُ الأحقاد، واستيقاظُ الإنتقاماتِ والفِتَن، وأزمنةُ الإستبدادِ. وهل ذلك سوى كابوسٍ يجبُ أن يستدعيَ، حكماً، جرسَ الإنذار؟
إنّ ترسيخَ الانحطاطِ الذي يُعمَلُ على توالي فصولِهِ، وبوتيرةٍ متصاعدة، يضعُ الوطنَ بين أنيابِ أفعى تُطبِقُ على ما تبقّى من نهضتِه، وتَفضي على فِكرِ التَّنويرِ فيه، لتضحى حريّتُه أشلاء بعدَ أن كانَت وليمةً دائمةً على مائدةِ رجاءِ لبنانَ بالتقدّم.
إنّ العودةَ الى الإنحطاط هي عودةٌ الى الهوامشِ، وقد كنّا في مَتنِ النصّ، وهي فَرضُ حصارٍ على الفكرِ، والرأي، والحقوق، والحناجر، أو هي حَفلُ تأبينٍ للحريةِ بنتِ الديمقراطية.
لقد جعلَ المُنقَلِبون على الديمقراطيّةِ الوطنَ قبراً مفتوحاً، تُطِلُّ من أكفانِهِ مشاهدُ الرّعبِ البَشِعة، لتسودَ شرعةُ قايين، وتفرضَ طقوسَها: همجيَّةً، وثقافةَ السّكاكينِ، وشهوةَ الدمّ، وأصوليّةً جائرة. كلُّ ذلك مُذَيَّلٌ بتوقيع واحد، أصدرَ قراراً بتصفيةِ الوطنِ، مستغِلاً الوقتَ المُناسبَ للإجهازِ عليه، ومن دونِ تردُّد.
إنّ المنظومةَ المُنقَضَّةَ على الحريّاتِ باستنباطِ شريعةِ الغاب، تعميةً للوعي أمامَ أفكارِ التّنويرِ، هي جلّادٌ يؤصِّلُ وكرَ الأبالسة، بأسلوبِ الصّدرِ الأعظمِ خلالَ عصرِ العثمانيّينَ البائد، بوصايةٍ يتجمّدُ معها الفكر، وتزولُ حصانةُ الحريّة، ويعمُّ اليباسُ الألسنة، ويتلاشى نعيمُ العدالةِ والسّلام، ويُحَضَّرُ لبروتوتيبيّةٍ انحطاطيّةٍ تَقضي على تركيبةِ لبنانَ المعجزة على مَرِّ العُقود.
ففي حين تتأبّطُ المجتمعاتُ المتحضِّرةُ الدّساتيرَ وكتبَ القانون، مركِّزةً على كرامةِ الإنسان، وعلى حريّتِه، لتحقيقِ عيشِهِ الرّاقي استناداً الى معادلةِ الحقوقِ والواجبات، لا تُسَوِّلُ للأصوليّين نفسُهم الخروجَ عن تَخَلّفِ الحياةِ البدائيّة، الرَّجعَويّة، ونَهجِ الهيمنةِ والتفرُّد، ما يجرُّ على بلادِنا تأخّراً في مواكبةِ النّهضاتِ العالميّة، وتقهقرا حاداً في مواجهةِ المُستَبِدّين المُطلَقي العنان، الذين يتصرّفون في شؤون الرعيّةِ كما يشاءون دونِ خشيةٍ ولا حساب، كما يقولُ "الكواكبي".
لو كانتِ العودةُ المُبتَغاةُ الى زمنِ السَّلَفِ الصّالح، حيثُ انّ الفردَ هو شخصٌ حرٌّ، بالمعنى السياسيّ للكلمة، وأنّ الحاكِمَ ليس إلهاً مثالياً لا يرتكبُ الأخطاء، وأنّ مصلحةَ النّاسِ أو السيادةَ الشعبيّةَ هي المصلحةُ العُليا للسلطة، لَقَبِلنا بربيعٍ حقيقيٍّ موعود. لكنّ العودةَ الى زمنِ الطُّغاة، حيث تتحوّلُ العلاقةُ بين المستبدِّ القاهرِ المُأَلَّهِ والناس، علاقةَ قامِعٍ ومَقموع، في جوٍّ إقطاعيٍّ ماكرٍ مُلَوَّثٍ بالظّلمِ، والطّغيان، والتّرهيبِ طَلَباً للطّاعةِ المُطلَقَةِ حيثُ المواطنونَ أسرى الانحطاطِ والإحباط، فذلك أفظعُ الجرائمِ لتمرير نظامٍ مُشَوَّهٍ ينكّلُ بالناس، وصولا الى التآمرِ على كيانِ الوطنِ لتقويضِه.
إنّ العودةَ الى ما قبل الدولة، هي وصمةُ عارٍ تشوِّهُ مُحَيّا لبنانَ الحضاريّ، وهي همجيّةٌ فاقَت ما قامَ به قادةٌ أقدمون، كهولاكو الذي دمَّرَ بغدادَ وقضى على تراثِها الثقافي، ويوليوس قيصر الذي أحرقَ مكتبةَ الإسكندريّة وما فيها من أمّهاتِ الكتب.
فهذه العودةُ الى عصرِ السَّحقِ بالظّلم، هي تَحَدٍّ لإرادةِ الناس، واستقواءٌ مدمِّرٌ لدولةِ المواطَنَة، وانكسارٌ لكرامةِ الإنسان، وفجوةٌ سحيقةٌ تكوَّنَت بين الشَّعبِ وآمالِه، وانقضاضٌ سافرٌ على لبنانَ الرسالة.
أستاذ جامعي لبناني وكاتب