نقرأ عن الأحداث التي تحصل في إيران، ولا شك أن ذلك يحتاج منا إلى رقابة وتدقيق، لأننا لسنا بعيدين عن تلك الدولة الجارة، وما يؤسفنا أن حظنا جعلنا بالقرب منها، فكانت دائماً هناك شرارات تصلنا مما يحدث فيها.
ففي الحرب العراقية - الإيرانية تأثرنا فيها كثيراً، وبعد سقوط النظام العراقي السابق، كانت التأثيرات كبيرة علينا، لذلك ما يحدث في المنطقة يطاولنا بشكل أو بآخر.
إن الاضطرابات الحالية في إيران لها تأثير كبير على مجمل المنطقة، وربما تكون سلبية إلى حد ما، لكنها في الوقت نفسه، ربما تكون لها بعض الايجابيات على المدى الطويل.
لكن لست هنا في وارد بحث هذه الأمور، إنما من أجل تشريح الواقع الذي أدى إلى هذه الأحداث، وعنفها الذي بدأ يتكشف يوميا، ففي المحصلة اعتقد أن التطورات اليوم ليست كما حصل في السابق، فالعوامل مختلفة، ونحن نعرف قوة "البازار" الإيراني، وكذلك الطلبة، وهؤلاء كانوا العنصر الأكثر فعلا في ايام الاضطرابات خلال حكم الشاه، وهما ساعدا على إسقاطه. أيضا إن أي ثورة شعبية على هذا النحو، لا يمكن قمعها بسهولة، بل إن المزيد من القمع سيؤدي إلى المزيد من العنف الجماهيري، لذا لا يمكن للمعالجات الموقتة حسم الأمور، بل لابد من علاج جذري، يأخذ بالحسبان مصلحة الشعب، وليس النظام.
لذا ربما تكون العوامل الخارجية لها دورها، لكنها ليست السبب الرئيسي، بل إن طبيعة النظام لها دورها الكبير في ذلك، وعدم الإصلاح الداخلي جعل الأحداث تأخذ هذه المرة المنحى الخطير هذا.
في المقابل فإن المؤثرات الدولية، والتغيرات الحاصلة، وإعادة رسم خريطة النفوذ دولياً، لها تأثيرات كبيرة، وما تركته الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، كان لها تأثيرها على الوضع الاقتصادي، الذي يعاني من تشوهات هيكلية لا يمكن اصلاحها، طالما هناك أطراف داخلية ترفض التخلي عن مكاسبها، حتى لو حدثت مئة انتفاضة.
في المقابل إن الدعم الكبير للميليشيات الاقليمية، من "حزب الله" في لبنان إلى الجماعات العراقية، وصولا إلى الحوثيين، بينما يعاني الشعب من الفقر، جعل الأمور تتجه نحو المزيد من التعقيد.
كل هذا جعل إيران مهيأة لحدوث اضطرابات كبيرة، ربما تهدد تماسك المؤسسات كافة، خصوصا أن الاحداث تعم كل المدن والنواحي، ويبدو أن الحكومة ليست لديها القدرة على التعامل معها، بما يخفف من حدة الأزمة.
لهذا حين وضعت عنوان مقالتي "مو بكيفكم"، فإنني أخاطب أركان الدولة الإيرانية، أو القوى الفعالة في النظام، ماذا تفعلون مع شعب يعاني من الجوع، واقتصاد جامد، أي أن الدولة لن تستطيع، مهما كانت قوة النظام، أن تسيطر على الوضع. بينما في المقابل إذا كان هناك حد أدنى من التعامل الصحيح، وسعي دائم إلى حل المشكلات، فذلك يؤدي إلى التفاف الشعب حول الحكومة، فعلى سبيل المثال، عندما تعرضت دولتنا إلى غزو، لم يجد الغازي أي كويتي يناصره، أو يقول "لست مع الشرعية"، بل تجلت الوحدة الوطنية بأوضح المعاني.
فكيف بالمجتمع الإيراني الذي يضم أقليات عدة، وأقاليم تعاني من التهميش، وقلة من الناس تستحوذ على مقدرات البلاد؟