سمو رئيس مجلس الوزراء...
معالي وزير المالية...
ثمة مقولة قديمة تعود إلى الحرب العالمية الثانية، وهي "إذا سمعت هدير المدافع ابدأ بالبناء"، وفي خضم التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة، التي ترخي بظلالها على الأوضاع الاقتصادية في المنطقة، هناك فرصة كبيرة كي تبدأ الكويت في بناء شبكة متطورة من الصناعات والخدمات، وغيرها من قطاعات إنتاجية تؤهلها، بسبب موقعها الجغرافي المميز، لتأدية دور كبير في المنطقة اقتصادياً.
هذا لا شك يجب أن تكون له الأدوات المساعدة في إنجاح المهمة، وأهمها التخفيف من الشروط القاسية على الشركات والمؤسسات في البلاد، إذ لا يمكن لأحد أن يعمل وهو تحت ضغط شديد، ومهدد كل يوم بإقفال مؤسسته أو مصنعه، إما لمخالفة بسيطة في إجراء إداري يجانبه الصواب، وإما للتعثر في سداد الفوائد وليس قسط القرض إلى البنوك، لأن "المركزي" يشدد بالأوامر للمصارف التجارية في تحصيل المديونيات دون إبطاء، فيما لم يأخذ بالاعتبار التأثيرات السلبية على الاقتصاد المحلي، ويشدد حتى على المؤسسات التي لديها رهون توازي ثلاثة أضعاف قروضها.
ربما يكون أمراً عادياً في الظروف العادية والحركة النشطة، والتبادل التجاري، لكن في الظروف الدولية والإقليمية، والحروب والقلاقل السياسية التي تشهدها بعض بلدان المنطقة، والتحولات الكبيرة المتوقعة دولياً، فإن ذلك يستدعي مساعدة القطاعات المنتجة حتى تمارس عملها بكل أريحية، وتخدم فكرة تعزيز الناتج الوطني.
هنا، أعود إلى جائحة "كورونا"، حين كانت هناك تسهيلات كبيرة للصناعيين ومقدمي الخدمات، وحتى باعة التجزئة، فسهلت الكثير عليهم، وساعدتهم على الخروج من تلك الأزمة بأقل الخسائر، بل الاستمرار والتطور.
لا شك أن الظروف الإقليمية التي تبعت ذلك، خصوصاً ما جرى في قطاع غزة، ولبنان وسورية، والعراق واليمن وإيران، أثر سلباً في القطاعات كافة، بينما كان من المفترض أن تكون الدولة حاضرة باستمرار للمساعدة، لا سيما أن المؤشرات كافة كانت توحي بأن المنطقة ذاهبة إلى تطورات دراماتيكية غير مسبوقة، وعلى الجميع الاستعداد لها، وتعزيز خطوطه الدفاعية، اقتصادياً ومالياً.
إن أول المؤشرات كان التراجع في الإنفاق الاستهلاكي، الذي لم يجر التعامل معه بما يناسبه، بل على العكس استمر مجلس الوزراء في التعاطي مع ذلك كأنه حدث عابر، بينما الدول الأخرى، لا سيما الخليجية، اتخذت خطوات كبيرة في هذا الشأن، ومنها على سبيل المثال، إسقاط القروض الاستهلاكية عن المواطنين، وكذلك تجميد تحصيل الرسوم على الشركات والمؤسسات والمصانع، لخمس سنوات، كما فعلت الحكومة السعودية.
كذلك عملت على تشجيع المبادرات الفردية، وأمرت البنوك التجارية بجدولة الديون، خصوصاً للمتعثرين من أصحاب الأعمال والمشاريع والشركات، كما أمرتها بخفض الفوائد على القروض، كذلك ساعدت على الإقراض، كي لا يتعثر الاقتصاد المحلي، فهي عملت بالمقولة السائدة "إن الوقت يحل كل المشكلات، إذا كانت هناك رؤية للمستقبل للحفاظ على القوة"، وأدركت أنها بحاجة إلى تطوير اقتصاداتها بما يناسب المرحلة الحالية، ويفسح في الطريق أمام السير بكل سهولة نحو التقدم.
كذلك كانت لديها رؤية أن الرهون التي تكون أكبر من القرض عامل قوة لدى البنك ما يمنحه حرية حركة في سياسته الائتمانية، بينما في الكويت كان التشدد إلى حد التفليس.
في المقابل، ثمة بعض البنوك عملت بهامش حرية بسيط، لأنها سعت إلى المحافظة على زبائنها الدائمين، فتعاملت مع الشركات والمؤسسات بضمان الرهون، التي تفوق حجم القرض، وهي بذلك عززت قوتها، وفي الوقت نفسه كانت تريد أكل العنب، وليس قتل الناطور، لكن هذا كان في حدود ضيقة، فأوامر البنك المركزي صريحة بالتشدد مع القروض.
لقد بانت سيئات ذلك حين أمر "المركزي" بوقف القروض، والتشدد فيها، وهو ما أثر في الاقتصاد، لأنه بذلك منع المستهلك من الإقدام على الشراء، لشعوره بعدم القدرة على الإنفاق مثلما كان في السابق، واتباعه سياسة التحفظ المالي.
لذا، فإن التسهيل على الناس يخفف الكثير من الصدمات، لكن حين تتشدد الحكومة، أي حكومة، في الإجراءات، فذلك يزيد من تعقيد الأزمة، ويفاقمها، وبالتالي تكون هي الخاسر الأكبر، اقتصادياً ومالياً.
سمو الرئيس...
معالي وزير المالية...
ومعهما سعادة محافظ البنك المركزي، إن الحلول كثيرة وموجودة، والفرصة متاحة حالياً، إذا أراد مجلس الوزراء استغلالها بما يخدم المستقبل، ففي المنطقة أصوات المدافع تصم الآذان، ومن لا يعمل على التخطيط والبناء فسيكون خارج الزمن اقتصادياً، بعد استتباب الوضع الإقليمي والدولي، لذا ختاماً نسأل: هل تريدون أكل العنب أم قتل الناطور؟