الحياة بطبيعتها لا تستدعي أحداً لكي يكون في رفقتها، هيَ هكذا تسير دائماً في طريقٍ طويل، لا تكترث بمَن يريدها، أو مَن لا يريدها، أنتَ وحدكَ تستطيع أنْ تعرف ما عليكَ أنْ تفعله بها، وكيف عليكَ مرافقتها وفقاً لطريقتك، وأسلوبك، وحريّتك.
وكلّما كنتَ وفيّاً لطريقتك، واستقلاليتك، وحريّتك في الأخذ بناصية الحياة، كانت الحياة في المقابل شغوفة بك، لأنّك تستدعيها بطريقتكَ في الاحتفاء بها، إنّها في هذه الحالة تكون رفيقتك الوفيّة، لأنّك تصنعها من قرارك، واختيارك، وحريّتك، ولأنّها تأتي إليكَ حرَّةً وطليقةً، وملهمة وناطقة، إنّها تجدك حيث تكون، وتجدها حيث تكون، وإنّكَ تذهبُ إليها عاشقاً، ومتفنّناً، وحرَّاً، وتجد فيها كلّ ما تعشق من جنون الفكرة، ورحابة التفكير، وجمال الجرأة، وفنون المبادرة.
ربما قد لا يكون مهمّاً أنْ تعرف لماذا الحياة أصلاً موجودة، فما يهمّكَ تحديداً أنّك موجودٌ، فالحياة عموماً تكون موجودة بالضرورة، حين تكون موجوداً بالأصل من وجودكَ لذاتك، والحياة في ذاتها موجودة، ووجودكَ فيها وجود ذاتك لذاتك، ولذلك قد تصبح الحياة هنا وجودكَ الذي تريده لوجود ذاتك، وبهذا المعنى تحديداً أنتَ تحبُّ حياتك، لأنّها وجودكَ في أصل إرادتك، وحريّتك، وفعلك، وهي بهذا أيضاً ليست وجوداً في مقابل وجودك، بل إنّما فعلٌ يتخلّق فنّاً في أجمل تجلّياتك، وأفكارك، ومبادراتك وإبداعاتك، ومن هنا تستطيع أنْ تعرف لماذا عليكَ أنْ تحبّ حياتك، لأنّكَ أصبحت ترى فيها ما تحبُّ أنْ تتعالق معه فنّاً، وإبداعاً، وتخلّقاً وجمالاً.
وإذا ما رأينا الحياة من خلال لوحةٍ مترامية الأطراف، وغائرة الأعماق، سنراها بالتأكيد بطريقةٍ خلاّقة وملهمة، لأنّها في أفق هذه الرؤية، تأخذنا إلى أنْ نراها كما هيَ في طبيعتها الناطقة والحاضرة، تبقى متعددة الألوان، والآفاق، والجوانب، والأبعاد، والدروب والصُّور.
وفي كلّ ذلك سنراها تميل دائماً إلى أنْ تكون مفعمة بالجمال والتفتّح، والألق والغناء، والرقص والمتعة، وإذا ما كانت عكس ذلك، فلا تبدو حياةً على الاطلاق، لأنّ من طبيعتها أنْ تحظى بالإنسان، وهو يكتشف في جوانبها وآفاقها براعتها، في أنْ تصبح فنّاً، وجمالاً، وحريّةً، وفي هذه الحالة ليس عليها إلاّ أنْ تكون حيث يكون إنسان العقل والفكر والحريّة أساس وجودها.
وقد نغرمُ بطريقتنا في التعالق الجميل مع الحياة، حين نستطيع أنْ نختبر فيها قدرتنا على اكتشاف منابع الجمال في حضورها المستمر، فالغرام هنا يغدو شغفاً في خلق الحضور، حضور الحياة بكلّ ألوانها وآفاقها وجوانبها، وهيَ تتخلّق إبداعاً وتفنّناً، وازدهاراً في أفق التأمّل، والانجاز والمبادرة. ففي صورتها الزاهية هذهِ، نراها تنسابُ كاشتهاء الجمال في تخلّقات الوعيّ والاختيار، وتصبح الحياة حينها وعياً في فنّ الاختيار، واختياراً في ملكوت المعرفة والوعيّ، وتتجلّى طريقاً إلى أجمل النواحي التي تزدهر على أطرافها مُدن الحريّة، والحبّ، والضوء.
وفي أبهى الصُّور أنتَ تشتهي حياتكَ، لأنّك قد وجدت فيها وعيك، واختيارك، وحريّتك، ووجدت فيها في الوقت ذاته قلبكَ وهوَ يبعثكَ جميلاً في آفاق الإبداع والحضور والفكر.
حتّى أولئك الذين لم يعثروا على ما يجعلهم يحبّون حياتهم، قد يجدون أنفسهم في وقتٍ ما يبحثون عن السبب وراء ذلك، فالحياة عموماً لا تقدم الإجابات، لكنها في الوقت نفسه تجعلك تتساءل عن حقيقة وجودك فيها.
وفي هذا الجانب من الحياة، يسعى الإنسان بحثاً عن حقيقة ذاته في مخاضات الحياة، فالأمر يتلخّص عند هؤلاء، حول سعيهم عن كلّ ما يستطيع أنْ يمنحهم شعور الانحياز إلى الحياة، وهو الشّعور الذي يجدونه يتجلّى في شغفهم بالأمنيات، والآمال، والتطلّعات والأحلام، فالحياة في ذاكرتهم الحاضرة والآجلة تعني شعوراً دائماً بدفق الحبّ في خطواتهم الساعِية خلف قلوبهم الراكضة نحو ما يبعثهم شغوفينَ في اشتهاءات الحياة، وهو الشّعور ذاته الذي يجعلهم قادرينَ على اكتشاف حقيقتهم في تموّجات الحياة، ويمنحهم في الآنِ نفسه انسجاماً بديعاً ومبدعاً مع ذواتهم العاشقة لكلّ ما يملأ حياتهم بالحبّ، والحريّة، والفِكر، والجمال.
كاتب كويتي
[email protected]