لماذا الحديث مهم عمَّا بعد "أهداف التنمية المستدامة"؟ لأنها، ببساطة، إستنفذت ثلثي مدتها. ونتائجها، كما سابقتها، أقل من المستهدفات، إذ لم تكن نتائج أجندة "أهداف الإنمائية للألفية"، الثمانية، مبهجة بالنسبة للأمم المتحدة إن لم تكن مخيبة للآمال.
لذا شرعت مبكراً في التحضير، قبل نهاية فترتها عام 2015، لأجندة "أهداف التنمية المستدامة"، السبعة عشر، التي هي كذلك لا تبدو نتائجها إلى الآن، و قد إنقضى ثلثيها، أفضل من سابقتها. ولا يبدو أن الأمم المتحدة قد أصابها الكلل من المحاولة مجدداً لصياغة أجندة تنموية دولية لما بعد أهداف التنمية المستدامة، دون الالتفات إلى أن التنمية قرار وطني سيادي.
وفقا لأحدث بيانات الأمم المتحدة، فقط 35 في المئة من أهداف التنمية المستدامة كانت في المسار الصحيح، في حين أن 48 في المئة، كان التقدم فيها هامشياً، بينما شهدت 18 في المئة تراجعا مقارنة بسنة الأساس لعام 2015.
وتعود أسباب تدني نسب الإنجاز إلى عوامل عدة على رأسها؛ جائحة "كوفيد-19"، تصاعد النزاعات والحروب، أزمة المناخ، ارتفاع مستويات المديونية العالمية، وضعف التنسيق الدولي، وعدم فاعلية المؤسسات المانحة متعددة الأطراف في تفكيك بُنى الفقر ومعالجة المديونيات، وتلك جميعا أسباب عالمية.
والإخفاق يعكس هشاشة النموذج التنموي العالمي، واعتماده على افتراضات غير واقعية، كما يكشف محدودية قدرة النظام الدولي على ضمان تنفيذ التزامات تنموية ملزمة.
فانخفاض نسب الإنجاز يمثل مؤشراً واضحاً على الحاجة إلى إعادة صياغة الأجندة التنموية العالمية، بما يجعلها أكثر واقعية وقدرة على الاستجابة لعالم مضطرب.
فلا تكتفي الأمم المتحدة بالتزامات، ربما لا تنفذ، وبمجتمع دولي متفرج محايد، سواء تحققت تلك الأهداف أم لم تتحقق، فتحقيقها مسؤولية وشراكة دولية، وهي حاجات إنسانية أساسية أقرها المجتمع الدولي في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لكنها بقيت مؤجلة منذ ذلك الإعلان.
أجمعت تقارير المتابعة للأمم المتحدة على أن التقدم المحرز في أهداف التنمية المستدامة دون التوقعات،فهناك نسبة محدودة فقط من الأهداف تسير على المسار الصحيح، بينما تراجع تنفيذ العديد منها. وهكذا تشمر الأمم المتحدة عن سواعدها، وتحضر لما بعد مرحلة "التنمية المستدامة"، وهي مرحلة سيدخلها العالم في إطار تحولات هيكلية في الطاقة، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ووسائل الإنتاج والنقل والاتصالات، وستكون، قطعا، صعبة ومضنية وأكثر تعقيدا على من لم يتمكن من اجتياز اختبار الأجندتين السابقتين.
فعالم ما بعد 2030 يتجه إلى مرحلة تتسم باضطراب النظام العالمي، وتزايد بؤر التوتر والصراع، وتحول العولمة إلى هيمنة، وتراجع التكتلات الإقليمية، وصعود مصادر جديدة للطاقة، ما يجعل التنمية أكثر ارتباطاً بالأمن والمرونة الاقتصادية.
ينبغي الإجابة عن سؤال مهم: لماذا فشل العالم في تحقيق أهداف تنموية، مرتين متتاليتين، هو من وضعها وأشرف عليه و تابعها؟ الجواب هنا، أن النظام العالمي نفسه، باضطرابه وصراعاته وهيمنة أقطابه وتراجع شرعيته وازدواجية معاييره، كان سبباً رئيسياً في فشل متكرر لا تتحمل الدول النامية كل مسؤوليته.
وقد هيمن منطق النظام الاقتصادي العالمي، فأقطابه تسعى إلى تعظيم عائداتها، واستنزاف موارد الدول النامية، وعدم العدالة في توزيع الثروة، وتنامي نفوذ الشركات العابرة للقوميات فوق الدول، وذلك دون شك يتعارض، إن لم يكن يُقوض، أهداف التنمية المستدامة، فكيف يمكن، في كل ذلك، تقليل الفقر، وحماية البيئة والمجتمعات المهمشة، وتحقيق العدالة؟
المدير العام السابق للمعهد العربي للتخطيط