كُثُر في العالم العربي، والشرق الأوسط عموماً، كانت لديهم نظرة سلبية حيال مبادرة انطلاق مجلس التعاون لدول الخليج العربية، واعتبروه تجمعاً انفصالياً عن جامعة الدول العربية، وأطلقوا السهام عليه من كل حدب وصوب.
في تلك المرحلة، أذكر جيداً اللحظة التي ولدت فيها تلك المبادرة من الراحل الشيخ جابر الأحمد والملك فهد بن عبدالعزيز، رحمهما الله، ومن ثمة مباركة من المرحوم الشيخ زايد بن سلطان، وتوج هذا بحماسة الآباء المؤسسين للمجلس.
يومها كانت الظروف الدولية والإقليمية شديدة الحساسية، وتهدد مصائر الكثير من الدول العربية، على وقع الحرب الإيرانية - العراقية، ورفع شعار النظام الإيراني الجديد يومها "تصدير الثورة" بمعناها الضمني "تغيير الهوية الثقافية للدول المجاورة".
في تلك المرحلة، وجدت دول الخليج نفسها أمام تحديات كبيرة، وأنها بحاجة إلى جمع قوتها للمحافظة على وجودها، وأمنها القومي، ولهذا ولد هذا التجمع بمباركة من شعوبه، وبدأ يعمل على ترسيخ وجوده، عبر اتفاقات تنتهي بالاتحاد، وهو ما نص عليه النظام الأساسي (تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولاً إلى وحدتها).
لقد كان التحدي الأصعب بعد تسع سنوات من ولادة المجلس حين غزا صدام حسين الكويت، إذ لولا الموقف الصلب لهذه الدول مجتمعة على التصدي للاحتلال، لما كان التحرير.
لذا، خلال 45 عاماً من عمر المجلس، شهدت المنطقة تحديات عدة، وبعضها كان مصيرياً، ومنها على سبيل المثال ما سمي "الربيع العربي" الذي هز بعضها، ودخلت من خلالها جماعات موالية لإيران وغيرها مما هدد هذه الدول، فكانت العملية الجراحية المؤلمة لمنع التمدد الإيراني من خلال نافذة مملكة البحرين، ويومها أثبت هذا المجلس قدرته على المحافظة على أمن دوله، من دون تدخلات خارجية، وكذلك صلابته في مواجهة أي تهديد محلي مرتبط بقوى خارجية.
كذلك في العام 2015 حين اتخذ القرار الخليجي بالتصدي لجماعة الحوثيين، عندما حاولت الاعتداء على المملكة العربية السعودية، أضف إلى ذلك بلورة موقف موحد مما يجري في العراق، وغيره من الدول المحيطة بدوله. إن تلك الأحداث كانت تعبيراً أكيداً لما تفعله القوة الموحدة.
لذا، فإن صلابة المجلس اليوم، وبعد أن اشتد عوده، تثبت قدرته على الخروج من التحديات بقوة أكثر، بينما أي تباين في وجهات النظر يمكن حله بين الدول الأعضاء.
في خضم التحديات التي واجهها العالم العربي عام 2011، دعا الملك عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله، في افتتاح القمة الخليجية، يومذاك، إلى تفعيل الفقرة الأولى من النظام الأساسي وإعلان الاتحاد، لأنه الرد الصحيح على أي تهديد.
لا شك أن هذا الاتحاد يعني أموراً كثيرة، من ضمنها أن العملة الخليجية الموحدة ستغير طبيعة النظرة إلى دول المجلس، كقوة مالية عالمية، لا سيما إذا اقترن ذلك بقاعدة صناعية متنوعة، وفقاً لإمكانات كل دولة، وكذلك تكاملاً في السعي إلى الاكتفاء الذاتي من الغذاء حتى صناعات الأسلحة، وبعدها وجود بنك مركزي واحد.
اليوم بات الاتحاد الخليجي ضرورة، نسبة إلى المتغيرات الدولية في العالم، خصوصاً أن بعض الدول تنظر إلينا كأننا لقمة سائغة، فيما الحقيقة أن لدينا الكثير من عناصر القوة التي تجعل دولنا الرقم الصعب في المرحلة المقبلة، لأن هذا الاتحاد أمل شعوب المنطقة.