الثلاثاء 13 يناير 2026
18°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
حين يكبر الوهم ويصغر العقل!
play icon
كل الآراء

حين يكبر الوهم ويصغر العقل!

Time
الاثنين 12 يناير 2026
فاطمة ناصر المزيعل
مرايا الروح

يحكى أن حرّاساً كانوا يتخذون مواقعهم على الساحل، فتراءى لهم من بعيد جسمٌ طافٍ فوق صفحة البحر.

لم تمضِ لحظات حتى دوّى الهتاف: "شِراع! شِراع! سفينةٌ حربيةٌ قوية"!

لكن المسافة كانت تخدع الأبصار، والزمن كان كفيلاً بفضح الظنون؛ فبعد دقائق تقلّص "التهديد" إلى قاربٍ صغير، ثم زورق، ثم بالة، ثم لم يبقَ سوى بعض عصيٍّ عابثةٍ بالأمواج.

هذه الحكاية البسيطة ليست عن البحر، بل عن العقل حين يمرض… وعن داءٍ شائعٍ اسمه تضخيم الأشياء.

فالمشكلة الحقيقية لا تبدأ من الشيء ذاته، بل من المسافة بيننا وبينه: مسافة الجهل، أو الخوف، أو خواء العقل أو التوقعات المسبقة.

كلما ابتعد العقل عن التثبت، كبرت الصورة في مخيلته، حتى يتحول الاحتمال إلى يقين، واليقين إلى فزع.

نحن لا نرى الأشياء كما هي، بل كما نُسقِط عليها ما نخزّنه من قلق وتجارب غير مهضومة.

وحين يتحول المنظار إلى مكبّر في زمن الإيقاع المتسارع، تُضخَّم التفاصيل الصغيرة لتصير عناوين كبرى. زلة تُقدَّم ككارثة، رأي يُسوَّق كخطر، اختلاف يُصوَّر كعداء. لا لأن الواقع كذلك، بل لأن "التكبير" يبيع، ويستفز، ويشدّ الانتباه. وهنا يصبح العقل الجمعي حارسَ ساحلٍ يصرخ قبل أن يقترب الشيء.

كلمة عابرة تُفسَّر خذلاناً، صمتٌ موقت يُقرأ إهمالاً، اختلاف رأي يُختزل في نية سيئة.

كثير من العلاقات لم تُهدم بأفعال جسيمة، بل بتأويلات متعجلة، لو اقتربنا قليلاً، لوجدنا "السفينة الحربية" مجرد عصا طافية لا تقصد أحداً.

الارتياب هو العدسة المكبّرة الأخطر؛ فيه يتحول المستقبل إلى تهديد دائم، والفشل المحتمل إلى نهاية مؤكدة. وحين يسيطر القلق، يفقد العقل مهارته الأساسية: التمييز. فلا يعود يسأل: ما الحجم الحقيقي، ما الدليل، ما البديل؟

وعلاج تضخيم الأشياء ليس في الإنكار، ولا في التهوين المصطنع، بل في الاقتراب الواعي، الاقتراب بالسؤال بدل الحكم، الاقتراب بالتحقق بدل الانفعال، الاقتراب بالعقل قبل العاطفة.

وكلما اقتربنا من الحقيقة، صغرت الأوهام تلقائياً، وتلاشت الأصوات التي تصرخ بلا سبب.

أخيراً؛ ليس كل ما يلوح في الأفق نذير سوء، ولا كل ما يلمع يحمل جوهر الحقيقة، فالبريق قد يخدع، والحقيقة لا تلمع دائماً، ولا كل جلبةٍ تستحق أن نخلع سكوننا لأجلها.

أحياناً، ما نخشاه ليس إلا بعض عصيٍّ تعبث بها الأمواج… ونحن من منحها حجم السفن.

العقل الناضج لا يندفع بالصوت، بل يتقدّم بالفهم، ويتأنّى بالحكم، وفي زمن تضخيم كل شيء، تبقى الحكمة في أن نرى الأشياء على مقاسها الحقيقي، لا على مقاس خوفنا.

فتضخيم الأشياء لا يصنع وعياً، الإفراط في القلق لا يفسّر الوقائع، بل يضخّمها ويقود إلى أحكام لا تصمد أمام العقل.

كاتبة كويتية

آخر الأخبار