الثلاثاء 13 يناير 2026
17°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
بين غانم و'شات جي بي تي'
play icon
كل الآراء

بين غانم و"شات جي بي تي"

Time
الاثنين 12 يناير 2026
حسين الراوي

مدخل: من المخجل جداً أن يواصل الكاتب مقالاته في أي صحيفة فقط لمجرد النشر!

جاءني غانم، ابن أخي ذو الاثني عشر عاماً، وقد لمعت في عينيه شرارة ثقةٍ طفولية وقال: "يا عمي، أستطيع أن أكون كاتباً مثلك! أكتب وأنشر مقالات"!

تأملته بدهشةٍ محببة ثم ابتسمت وسألته: كيف ذلك؟

فأجاب بثقة لا تهتز: "عن طريق" ChatGPT"، أستطيع أن أكتب مقالة عن الرئيس الأميركي ترامب في أقل من دقيقة! هل تتحداني"؟

وقبل أن أستوعب حماسته، كان قد أصدر أمْره إلى" ChatGPT"، ولم تمضِ ثوانٍ حتى ظهرت أمامه سطورٍ عدة متفرقة، فيها شيءٌ من المعلومات، وشيءٌ من الوصف… فالتفت إليَّ غانم، كأنه يعلن الانتصار.

عندها فهمت أن جيلاً جديداً بدأ يتعامل مع الكتابة، كما يتعامل مع الأزرار: ضغطة واحدة… وينتهي الأمر.

لكن الحقيقة أبعد من ذلك بكثير.

إن الذين يعتمدون على" ChatGPT" اعتماداً كبيراً، أو شبه كلي، في كتابة مقالاتهم، يصعب إطلاق لقب "كاتب" عليهم. فالكتابة ليست جمع سطور، ولا ترتيب معلومات، بل هي روحٌ وفكرةٌ، وبصمةٌ لا يمكن استعارتها من آلة مهما بلغت قدرتها.

فمقالات" ChatGPT" دائماً تخرج جامدة، بلا حرارة، بلا نبض، بلا تلك اللمسة التي يعرفها القارئ حين يقرأ لكاتبٍ حقيقي. تشبه الفرمانات العثمانية القديمة: كلامٌ مستقيم، لكنه بلا حياة.

فأين بصمة الكاتب، أين فكره، أين إحساسه؟

الآلة قد ترتب لك الجمل، لكنها لا تمنحك "الحبكة السحرية" التي تُنضج المقالة، ولا الروح التي تجعل النص مرناً نابضاً بالعاطفة، ولا القدرة على التقاط التفاصيل الخفية، التي لا يكتبها إلا صاحب تجربة.

وقد تصفحتُ يوماً إحدى الصحف المحلية، فوجدت مقالات كثيرة كأنها نسخ متشابهة، خرجت من آلة تفريخ واحدة. أسلوبها واضح، وترقيمها غريب، وعناوينها مكررة… مما يكشف دون لبس أنها ليست بأقلام أصحابها، بل بأصابع برنامج واحد.

والعجيب أن بعضهم لا يدرك أن لـ"ChatGPT" نبرة يمكن تمييزها بسهولة، وأن المقالة المولّدة يكشف كاتبها قبل أن ينطق.

إن التقنية ليست عدواً، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن الكاتب.

فالكاتب الحقيقي هو الذي يكتب بروحه، لا بمنصة ذكاء اصطناعي. هو الذي يصهر تجربته في جمله، ويمنح نصه حياة لا تستطيع الآلة أن تنسخها.

وهذا ما لم يدركه غانم بعد، وربما سيدركه حين يكبر، حين يعرف أن ضغطة زر لا تصنع كاتباً.

كاتب كويتي

آخر الأخبار