لم ينظر أقطاب النظام العالمي إلى ثِقَل مديونية الدول النامية، بل كبلوها بشروط في حقيقتها تتعارض مع تحسين مستوى المعيشة، ودعم الفئات المحتاجة ورفع مستوى الأمان الاجتماعي وزيادة الأجور، بما يتناسب مع التضخم، ألم يكن كل ذلك ضمن اشتراطات المؤسسات الدولية المانحة للعون.
لقد أعادت الأزمات والصراعات الدولية والصدمات ملايين البشر إلى مستوى الفقر، بل ما دونه؛ فمن المسؤول عن الأزمة المالية العالمية عام 2008، وجائحة "كوفيد 19"، وتفاقم الحروب الحديثة في معظم أقاليم العالم؟
إن الفشل في تحقيق أهداف الألفية وأهداف التنمية المستدامة لم يكن فشلا فنيا أو تقنيا، بل كان فشلاً مركباً في النظام العالمي، وفي تراجع حوكمته وعدالته وعدم الالتزام بدعم الدول النامية التي بقيت تحت ثقل المديونية، وعدم الفاعلية في المؤسسات الدولية. لم يكن تحقيق أهداف التنمية المستدامة مستحيلاً، لكنها اصطدمت بنظام عالمي أقوى منها، لم تفلح أدواته بتفكيك بنى الفقر واللامساواة والتهميش.
إن الأمم المتحدة وهي تُحضِّر لأجندة دولية جديدة يجب أن تنتبه لأمر مهم، وهو أن التنمية قرار وطني لا أجندة دولية، تفرض فرضا، وهذا في الحقيقة ما كنت أردده في الاجتماعات التحضيرية لإعلان أهداف التنمية المستدامة، لكن المسؤولين عن تلك الاجتماعات لم يلتفتوا لأهمية ذلك، فقد كانت المنهجية جاهزة وكذلك الأجندة.
إن أجندة ما بعد 2030 يجب أن تكون "لا أجندة" بل "عقود وطنية للتنمية"، لكل دولة عقدها التنموي؛ تُحدد أهدافه، وترسم سياساته، وتضبط أولوياته، وتضع مؤشراته، بقرارت سيادية وطنية، وما على الأمم المتحدة إلا أن تضمن أن لا يكون النظام الدولي بيئة معادية.
إن التحضير لما بعد "التنمية المستدامة" لا ينبغي أن يكون نسخة محدَّثة لأهداف فشلت مرتين، ولا وثيقة فوقية بمؤشرات غير واقعية، فأزمة التنمية ليست أزمة أهداف أو مؤشرات، لكنها أزمة نظام عالمي، غير قادر على التمييز بين منطق الهيمنة ومبادئ العولمة البناءة، ولا التفريق بين التنافسية الإيجابية ونزعة تعظيم الأرباح والثروات، ولا التوفيق بين العدالة الدولية والكرامة الإنسانية. وما لم يتم الالتزام بقواعد الحوكمة الاقتصادية الدولية، وآليات دولية عادلة ومرنة لتمويل التنمية، وتحييدها عن السياسة الدولية، وشراكة دولية جماعية وملزمة، وحلول عادلة لبؤر النزاع، فإن أي أجندة مقبلة، مهما كانت رشاقتها ورونقها، ستكون كسابقتيها، ويبقى السؤال المهم: هل يمكننا بناء نظام عالمي تكون فيه التنمية ممكنة، لا أهداف ومؤشرات مؤجلة؟.
المدير العام السابق للمعهد العربي للتخطيط