ما نشهده اليوم من تطور هائل، في حقل الاتصالات ووسائل التواصل، لم يكن قبل زمن قصير سوى أضغاث أحلام، ومجرد أوهام وتصورات.
وأسرار تلك التغيرات في حقل الاتصال يمكن فهمها فقط بالعودة إلى بدايات النشاط الإعلامي المتمثل في الصحافة المكتوبة، فلولا اختراع الصحافة المكتوبة، لما كان باستطاعة الاتصال أن يزدهر ويتطور، لذلك فهناك تداخل بين النشاط الإعلامي والوسائل التكنولوجية، فكلاهما مرتبط بالآخر، ولم يتوقف أحدهما عن دعم الآخر طوال مسيرة الاتصال والإعلام.
فلقد سهلت الاختراعات مثل آلات الطباعة، التلغراف، الراديو، التلفزيون نشاطات الاتصال والإعلام، وأعطتها دفعاً إلى الأمام وجعلتها تتخطى الزمان والمكان وتختصر المسافات، والاختلافات على الأرض، وتحول العالم بأسره إلى "قرية كبيرة".
بمعنى أن الناس في مختلف أنحاء المعمورة يستطيعون أن يتواصلوا بسهولة، وأن يتبادلوا المعلومات والأخبار، بغض النظر عن الاختلافات في مجالات اللغة، الدين، العرق، والزمان والمكان، ونتيجة لذلك فإن أهم ما يميز هذا العصر، وأفضل ما يمكن أن يوصف به هو أنه "عصر الاتصالات".
إن أكبر التغيرات التي حدثت في تاريخ البشرية تعود إلى وسائل الاتصال؛ والتطورات في مجال وسائل الاتصال والإعلام الجديدة، المتمثلة في مواقع التواصل الاجتماعي من "فيسبوك"، و"تويتر"، و"يوتيوب"، و"غوغل"، والمدونات، و"إنستاغرام"، والهاتف الذكي، والفضائيات ثلاثية الأبعاد، وغيرها من الوسائل.
صحيح أن الأقمار الاصطناعة قد سهلت عملية الاتصال بشكل سريع، من، وإلى المسافات البعيدة، لكن تبقى العوامل الحقيقية وراء كل هذه الإنجازات التي تم تحقيقها في مجال الاتصالات، تكمن في تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، والنظام الرقمي المرتبط بها.
وإذا كان لهذا التطور الهائل في مجال الإعلام نتائج إيجابية على مستوى تنوع مصادر المعرفة، والمعلومات، والانفتاح على العالم الخارجي في ظل الاتصال الثقافي، وتعزيز مبادئ التسامح والتعايش والاحترام المتبادل وتقبل الآخر، وتفهمه، وتقريب شعوب العالم على تنوع واختلاف أديانها، ومعتقداتها، وثقافاتها ولغاتها، فإنه في الوقت نفسه له تأثيرات سلبية على الثقافة، والهوية الوطنية.
فله القدرة، بوسائله المختلفة، لإذابة المقومات الثقافية من أجل بناء ثقافة عالمية تسيطر على الثقافات المحلية، وزحزحة العلاقات المجتمعية والروابط الأسرية، وإفساد تربية الناشئة، وسلوكيات الشباب، والتشكيك في المعتقدات الدينية، والترويج لمفاهيم وسلوكيات تتنافى مع مبادئ المجتمع وقيمه.
إن ما نعاني منه اليوم هو أننا نعيش حرباً إعلامية قذرة، يوظف فيها المتحاربون كل ما يمكن للسيطرة والتحكم، والتوجيه والتلاعب بالعقول والأفكار، والتحريض، وبث خطاب الكراهية، وتوظف من خلالها الدول الصناعية التي تمتلك التكنولوجيا المتطورة، الإعلام الرقمي بكل أنواعه في أغراض قد تكون هدامة للثقافة أو على الأقل تشويهها، وأيضا القضاء على الهويات الثقافية للمجتمعات الأخرى.
يكشف المؤلف الفرنسي ديفيد كولون في كتابه "حرب المعلومات... كيف تسيطر الدول على عقولنا"، ويرى أن التاريخ دخل طوراً جديداً من الصراع، وصارت السيطرة على المعلومة هي سلاح الدول الأشد فتكا. لكنه يعود ويقول: اعتقد الغرب أن "زمن الحقيقة" قد بدأ، وأن الإنترنت والعولمة الإعلامية سيجعلان الأكاذيب مستحيلة. لكن ما حدث كان العكس تماما، فقد تحررت المعلومة من رقابة الدولة، لكنها سقطت في قبضة من يمتلك أدوات انتشارها.
كاتب سوري
[email protected]