الأربعاء 14 يناير 2026
16°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
عارٌ عليكم تَهجيرُنا المُمَنهَج
play icon
كل الآراء

عارٌ عليكم تَهجيرُنا المُمَنهَج

Time
الثلاثاء 13 يناير 2026
د.جورج شبلي

الى المُستَخِفّين بِما يجري، وما يجري خطيرٌ وافّاك، ابطالُهُ اولئكَ المَفتونون بشهوةِ السّلطة، والسّكاكينِ والطَّمَع، يفرضون، بممارساتهم العقيمة مشاهدَ الخيبة، وشرعةَ قايين، وبذلك، لا يستطيعون تَزييفَ أنّهم جعلوا الوطنَ قَبرا مفتوحا بِفِعلِ إجرامٍ همجيٍّ، فَخَّخَ حياةَ النّاس، هؤلاءِ المساكين الذين، ودون تردُّد، كتبوا أسماءَهم في لوائحِ الهجرة.

الى أغوالِ السّلطةِ والزّعامة، أصحابِ الفظائع، الذين تراكمَت ضحاياهم أرتالاً على أعتابِ السّفارات، هرباً من شريعةِ الغابِ ووَكرِ الشّياطين، ومواسمِ تعميمِ السُّمومِ التي حوّلت البلدَ الى وباءٍ غيرِ قابِلٍ للشفاء، بفِعلِ فسادِهم المُستَشري، واستباحاتِهم لقمةَ الحقِّ وعَرَقِ الجبين.

إنّ مطاراتِ الشرقِ والغرب، عَجَقَت وسوفَ تَعجقُ، كثيراً، بكميّاتٍ من حقائبِ الذين سيتركون البلدَ، من دونِ أن يلتفتوا الى الوراء. سيذهبون، من دونِ أن يُلقوا نظرةً أخيرةً على جُثّةِ وطنٍ أهَّلَهُ حُكّامُهم وزعماؤُهم لَيتوارى في نِسيانهم.

سيحطّون الرِّحالَ في أوطانِهم الجديدةِ، البديلة، حيثُ يَظنّون أنّهم سيعوِّضون على ذواتِهم ما لم يستطيعوا أن يُحقّقوه في أرضِهم، أو بالأحرى، ما لم يُخَوِّلوهم أن يُحقِّقوه، وهذه هي الحقيقة.

أمامَ هذه الحقيقةِ المُرّة، حقيقةِ إفراغِ الوطنِ من أبنائِه، وخصوصاً من الطّاقاتِ الشابَّةِ والمُثَقَّفة، من السَواعدِ المُنتِجة، والعقولِ التي تَنضَحُ رُؤىً وإبداعات، أينَ يقفُ الذين يَدَّعون حمايةَ الثّروةِ الوطنيةِ، هل يعتبرون انّ الذين سيهاجرون هم خسارةٌ تَنعكِسُ، سَلباً، على حاضرِ الوطنِ ومُستقبلِه، هل يرَون في رحيلِهم رَمياً للوطنِ في هاويةِ الإفلاسِ، على المستوياتِ جميعِها، هل تصفعُهم دمعةُ الشَّوك، وتُهاجمُ الأسلاكُ ضمائرَهم، اذا كانَت هذه الضّمائرُ، بعدُ، موجودةً وشَغّالَة؟

ايّها النّاحِتون قهقهاتِكم في جراحِ النّاس، مُقيمين ومُنتَشِرين، انّ الهجرةَ آفةٌ تنتشرُ كالفيروسات، وتؤدّي الى قلوبٍ مُنكسرةٍ، والى انحِجابِ بَسماتِ الامَّهاتِ، والى كُسوفِ أمَلِ الوطن بمستقبلٍ زاهِر. اعلَموا انّ الهجرةَ تَسكنُ قلوبَ اللبنانيّينَ وعقولَهم، بعدَ ان عَشَّشَ عنكبوتُ الكَذِبِ في سلوكِ الحُكّامِ الموبوئين، وفي وُعودِ الدولةِ المُرتَهَنَة. فلم يَعُدْ هنالكَ حَوافِزُ تُرجِئُ اتّخاذَ القرارِ بالرَّحيل. والاكثرُ خَطَراً، وأَسَفاً، هو انّ اللبنانيَّ بَدَأَ يُلَقِّنُ اولادَهُ ثقافةَ الهِجرة.

ايّها القابعون في الأخطبوطِيّاتِ المافياويّة، وفي اقبيةِ الاستقواء، يا مَن انهارَت صورتُكم كزُجاجٍ أَصابَتهُ رَكلَة، هل تعلمون انّ اللبنانيَّ اليائِسَ يُفضِّلُ، الفَ مرةٍ، بِسببِ ممارساتِكم الرَّعناء، ان يتسوّلَ في شوارعِ الاشفاقِ والاسترحام، وربّما في أَحياءِ النُّفورِ والسَّخط، على ان يبقى أسيراً للخَيبةِ، والآفاقِ المسدودة، هل يُلامُ هذا المُحبَطُ، وهو لا يُواجِهُ، في وطنِهِ، الّا قُلوباً صَخريةً، وخُطاباتٍ خَشَبيّةً، وجماجمَ طَلَّقَها الوجدانُ الوطني؟ ويلَكم، لقد جعلَتُم اكثرَ المواسمِ ازدهاراً، في لبنان، موسمَ الوَداع؟

امامَ هذا الواقعِ المَرير، واقعِ مجتمعٍ قائمٍ على آمالٍ كرتونيّة، على سَطوٍ مستمِرٍّ لأحلامِ الأجيال، واقِعِ مرضِ الانهيارِ المُتَفاقِم، ولا عِلاج، ليس هناكَ مَنْ وما يَرأَبُ الصَّدع، ليرفعَ الظّلمَ عن الناسِ المَسحوقين.

مسكينةٌ بلادي، يُعَربِدُ فيها المُتَسَلِّطُ الدَّنِسُ، والمستقوي المُتَعَنِّت، اللذان يَرتَبطان بها اصطناعياً، طالما دَرَّتْ عليهما الارباح، ويُنكِراها عندما تُطالِبُ بِحَقّ.

ليس من شكٍّ في انّ اللبنانيَّ هو سِندبادُ الآفاق، يَجولُ في كلِّ الامكنةِ، يَزرعُ شيئًا منهُ، ومن وطنِهِ، حيثُما يَحِلُّ، حتَى قيل: ليس من بُقعَةٍ في ارضِ الناس، الّا وفيها دَمغَةٌ من لبنان. ولكنْ، هل يُمكِنُ لهذا السِّندبادِ، ان يَخفيَ حقيقةَ انّ حكّامَه الهَذَيانيّين، مَعطوبِي اليقظةِ الذّهنية، والمستَقوين في بلدِه، حامِلي الجماجمِ السَّقيمة، هم اصحابُ التّخطيطِ المُغرِضِ، والمؤامرة الهادفة الى هجرةٍ مُرَّةٍ تُتيحُ لهم احتكارَ مُكَبِّراتِ الصَّوتِ التي لا تُثيرُ الّا الاشمئزازَ من نَخّاسي الذِلِّ والقَهرِ والارتهان؟

إنّ الهجرة، رّغم ما يشير البعضُ الى مكاسبِها، غير أنّ آثارَها، على مستوى النّاس والبلاد، تعني الانفصال الفتّاك عن الأرض والبيئة الإنسانيّة الحميمة، وتعني، أيضاً العزلة والإحباط، والقلق وضَعف الرّوابط، وتَفكّك المجتمع، وغُموضَ الآتي من الأيام.

أمّا معالجة تَفاقم الهجرة، أو التّهجير، فلَو قدّمنا برنامجاً وطنياً موضوعياً قابِلاً للتّنفيذ، فنحن نعرفُ، تماماً، أنّ مصيرَه الى مِكَبّ النفايات، فهل قامَت السلطة، يوماً، منذ سابقِ العهود، وحتى السّاعة، بأيّ مجهودٍ مقبول لتحفيز المنتشِرين على العودة، فبدلاً من ذلك، تغتالُ السلطةُ حقّهم الوطنيّ والدستوريّ بالاقتراع، وهذا غيضٌ من فَيض.

كاتب وأستاذ جامعي لبناني

آخر الأخبار