الخميس 15 يناير 2026
16°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
خياط الخليفة
play icon
كل الآراء

خياط الخليفة

Time
الأربعاء 14 يناير 2026
محمد الفوزان
قصص إسلامية

يُحكى أن في زمن الخليفة المعتضد بالله العباسي، سنة 281 هجرية، كان لشيخ من التجار ببغداد دَيْن عند أحد الأمراء، وهو ليس قليلا، وكان كلما طلبه يرفض الأمير، ويمنعه من مقابلته، حتى وصل به الحال أن أمر غلمانه بأذيته حين يأتي للمطالبة بماله، فاشتكى التاجر ذلك إلى الوالي، لكنه لم يفعل شيئا، فلم يزد الأمير ذلك إلا منعاً وجحوداً.

فآيس الرجل، واعتلاه الهم، فبينما هو كذلك حائر لمن يشتكي أمره، قال له رجل تقي: "لما لا تشتكيه إلى فلان الخياط إمام المسجد"، فتعجب التاجر وقال: "لم يقدر عليه الوالي، فماذا عسى الخياط أن يفعل في هذا الأمر، وأعيان الدولة لم يقطعوا فيه أمراً"؟

فقال التقي: "إنه أقطع وأخوف عنده من كل من اشتكيته إليهم". وبالفعل ذهب التاجر إلى إمام المسجد، وحكى إليه ما فعله الأمير ومن إيذائه، فقام معه الخياط وذهبا سوياً إلى الأمير، فلما رآه الاخير احترمه وأكرمه، فدنا منه الخياط وقال له: "ادفع إلى هذا الرجل حقه وإلا أذنت".حينئذ تغير لون الأمير، وعلى الفور رد إلى التاجر حقه، فتعجب التاجر، وتساءل في نفسه: كيف لرجل من عامّة الشعب بسيط الحال أن يأمر الأمير وينصاع له بكل احترام وهيبة"؟ ولم يكتم الرجل فضوله وسأل الخياط عن خبره!

فقال الخياط: "إن سبب ذلك حادثة وقعت مع أمير تركي، كان يسكن في جوارنا، فمرت به ذات يوم امرأة لها من الجمال قدر كبير، وكانت قد خرجت من الحمام لتوها، فقام إليها وهو في حالة من السكر يراودها عن نفسه، وحاول أن يدخلها منزله، فأخذت تصرخ وتستنجد بالمسلمين قائلة: يا مسلمون، أنا امرأة مسلمة، ومتزوجة، وهذا الرجل يحاول أن يدخلني منزله بالقوة.

فقمت إليه أنكر عليه فعلته، وحاولت تخليص المرأة من بين يديه، فضربني بدبوس في يده فشج رأسي، واستطاع بقوته أن يغلب المرأة على نفسها، ويدخلها منزله رغماً عنها، فعدت إلى المسجد، وغسلت الدم ثم عصبت رأسي، وبعدها صليت بالناس العشاء، ولما انتهيت أخبرت المصلين بما فعل هذا الأمير، وطلبت منهم أن يقوموا معي لننكر عليه فعلته، ونخلص تلك المسكينة من بين يديه".

اضاف: "قام الناس معي وهجمنا على داره، لكنه أتى في جماعته بالعصي والدبابيس، فكانوا يضربون الناس بقوة، وقصدني هو بالضرب فأدماني، حتى تفرقنا وخرجنا من منزله مهانين مصابين، فعدت أنا إلى منزلي، لا أكاد أهتدي للطريق من فرط الألم، ونمت على فراشي، فلم أستطع النوم قبل أن أنقذ تلك المرأة من بين يديه، وأخذت أفكر ماذا يمكن أن أفعل من أجلها.

وهداني الله أن أؤذن للفجر في آناء الليل، حتى يظن أن الصبح قد طلع، فيفرج عنها ويخرجها من داره، فصعدت المنارة ثم أذّنت وعيني على داره أرقب هل ستخرج المرأة أم لا، وبينما أنا كذلك إذ انتشر الفرسان والرجال في كل أنحاء الطرق، يبحثون عمّن أذّن في تلك الساعة، فقلت لهم ها أنا ذا ظناًّ مني أنهم جاؤوا ليعينوني على ذلك الأمير الفاسق.

ولكنهم طلبوا مني أن أنزل لمقابلة الخليفة أمير المؤمنين، فنزلت والخوف يعبث بقلبي، ولما أدخلوني عليه رأيته جالساً في مقام الخلافة، وطلب مني أن أدنو منه، فلما دنوت تبين الخوف في وجهي فهدأ من روعي، وقال لي: هل أنت الذي أذنت في تلك الساعة؟ فأجبت: نعم يا أمير المؤمنين.

فقال لي: وما حملك على فعل ذلك، ولم يمض من الليل أكثر مما بقى، فتغر بذلك المسافر والصائم والمصلي

فقلت له: أيعطينني أمير المؤمنين الأمان وأخبره بقصتي؟

فقال لي: أنت أمان، فقصصت عليه خبر المرأة والأمير الفاسق، فلما سمع ذلك غضب غضباً شديداً، وأمر بامتثال الأمير والمرأة بين يديه.

فأحضرا على الفور، وأمر بالمرأة فأرسلت إلى زوجها في جماعة من النسوة الثقات، وثقة من جهته، أمرها أن تبلغ زوجها بالصفح عنها والإحسان إليها، فهي مكرهة معذورة على أمرها، ثم سأل الخليفة الأمير الفاسق: كم عندك من الرزق، والجواري والزوجات؟

فعدد له الأمير الكثير، فقال له أمير المؤمنين: ويحك أما كفاك كل تلك النعم، فتعديت على حرمة الله، وتخطيت حدوده، وما كفاك ذلك، فتعديت على رجل أمرك بالمعروف ونهاك عن المنكر، فلم ينطق الأمير بكلمة واحدة، فأمر به الخليفة أن يوثق بالقيود من رجله حتى عنقه، ويوضع في جوال، ويضرب بالدبابيس ضرباً مبرحاً عقاباً له عن ما فعل، وبعدها أمر به أن يلقى بالسجن، فكان ذلك أخر عهدي به.

ولم يكتف الخليفة بذلك، فجرده من ماله الذي كان يرده من بيت مال المسلمين، ومن يومها أمرني كلما رأيت منكراً صغيراً كان أو كبيراً، أن أجتمع به وأخبره، وعلامة بيني وبينه الأذان، فإذا أذنت في أي وقت غير توقيت الصلاة، فهذا يعني وقوع منكر ما، ومن يومها وكلما رأيت منكراً آمر فاعله أن يقلع عنه، وإلا أذنت، فامتثل الجميع حتى أكبر رجال الدولة خوفاً من المعتضد، ومن يومها حتى الآن لم ألجأ للأذان".

السلطان هو ظل الله في الأرض، يأوي اليه كل ضعيف وملهوف، وهو الذي لا يُستغنى عنه طرفة عين، كيف لا وهو أقوى الأسباب التي بها يصلح أمور خلقه وعباده، ففيه من القدرة والسلطان والحفظ والنصرة والاستقرار والأمن وغير ذلك من معاني السؤدد التي بها قوام الخلق، ما يشبه أن يكون ظل الله في الأرض، وهذا ماذهب إليه ابن تيمية، رحمه الله، في كتابه "الفتاوى الكبرى" شارحاً قول النبي (صلى الله عليه وسلم) "السلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه كل مظلوم من عباده"، رواه البزار وابن حبان‏.

إمام وخطيب

[email protected]

آخر الأخبار