هروب الزبيدي ليس نهاية أزمة، بل إشارة على نهاية مرحلة، مرحلة بُنيت على شعارات كبيرة، لكنها عجزت عن تقديم نموذج دولة، أماّ مُستقبل اليمن، فسيظل معلقاً بين خيارين، إما مشروع وطني جامع يعيد الاعتبار للدولة، وإما استمرار العبث الذي لا يُنتج سوى مزيد من الانهيار، وفي لحظات التحول الكبرى، غالباً ما تسقط الوجوه، وتبقى الجغرافيا والتاريخ، بانتظار من يحسن قراءتهما.
يأتي الحديث عن هروب عيدروس الزبيدي في توقيت بالغ الحساسية، ليس بوصفه حدثاً شخصياً معزولاً، بل كعنوان مكثّف لحالة الانسداد السياسي والعسكري، التي بلغتها الأزمة اليمنية، وكاشفٍ عن تصدعات عميقة داخل مشروع الانفصال ذاته، وعن تحولات أكبر تطال مستقبل اليمن، والمنطقة المحيطة به.
في السياق السياسي، لا يُقرأ الهروب بوصفه فعل خوف فردي، بل كمؤشر على تآكل المشروع الذي تقوده القيادات، فالزعيم الذي يغادر المشهد في لحظة احتياج حاسمة، يبعث برسالة ضمنية أن المعركة لم تعد قابلة للإدارة، أو أن الكلفة السياسية والأمنية باتت أعلى من القدرة على الاحتمال، وهذا ما ينطبق على حالة الزبيدي، الذي وجد نفسه محاصراً بتناقضات الداخل الجنوبي، وضغوط الإقليم، ورفض شعبي متزايد لواقع لم يحقق وعوده. مشروع الانفصال، الذي رُوّج له باعتباره طريق الخلاص، اصطدم بواقع معقّد، صراعات داخلية، اقتصاد منهك، وانعدام نموذج حوكمة مقنع، ومع غياب الخدمات، وتدهور العملة، وتفشي السلاح، بات السؤال الجنوبي الحقيقي ليس الانفصال أم الوحدة، بل من يحكم، وكيف، وبأي شرعية؟
وهنا يتضح أن الأزمة لم تعد بين شمال وجنوب، بل داخل كل معسكر على حدة.
وهنا تظهر ثلاثة سيناريوهات محتملة، الاستنزاف الطويل، وهو السيناريو الأخطر، حيث تستمر حالة اللاسلم واللاحرب، وتُدار الأزمة دون حل جذري، مع بقاء اليمن ساحة مفتوحة للتجاذبات الإقليمية، تفكك مراكز القوى، مع تراجع القيادات التقليدية، قد نشهد إعادة تشكل المشهد عبر قوى محلية أصغر، ما يفتح الباب لفوضى أوسع ما لم يُضبط المسار سياسياً. العودة إلى الحل السياسي الشامل، وهو السيناريو الأقل كلفة والأكثر عقلانية، ويقوم على تسوية وطنية تضمن وحدة اليمن، مع معالجات عادلة للقضية الجنوبية، وتوازن في السلطة والثروة.
ما يحدث في اليمن لا ينفصل عن معادلة أمن المنطقة، فاستقرار اليمن يعني استقرار الممرات البحرية، وأمن الخليج، وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة العابرة للحدود.
ومن هنا، فإن تراجع مشاريع التفتيت، وسقوط رموزها، قد يشكل فرصة لإعادة ضبط المسار نحو دولة وطنية، لا دولة ميليشيات.
كاتب سعودي