الأحد 18 يناير 2026
11°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الأحساء حين تتحوّل التمور  إلى لغة حضارية
play icon
كل الآراء

الأحساء حين تتحوّل التمور إلى لغة حضارية

Time
السبت 17 يناير 2026
هاجر السليم

ما لفتني في تجربة مهرجان تمور الأحساء المصنعة أثناء زيارتي للأحساء، أنه لا يتعامل مع التمر بوصفه منتجاً للبيع فقط، بل بوصفه هوية قابلة للتجدد.

وهنا لا تُقدَّم التمور على الأرفف فقط، بل تُقدَّم كفكرة، كذاكرة، وكوعد بمستقبل يعرف كيف يحترم الجذور، وهو يتجه بثقة إلى العالم.

هذا التحول الهادئ من المحصول إلى الصناعة، هو في رأيي أحد أجمل نماذج التنمية الذكية التي نراها اليوم.

الأحساء، أكبر واحة نخيل طبيعية في العالم، لا تراهن على العدد بقدر ما تراهن على القيمة، فملايين النخيل ليست استعراضاً رقمياً، بل طاقة كامنة أُحسن توجيهها، وحين تدخل التمور عالم التصنيع، وتتنوع استخداماتها، وتُستثمر كل مكونات النخلة، فإننا لا نضيف منتجا جديداً للسوق فقط، بل نضيف فكرة استدامة تُجسّد روح المرحلة.

ومن زاوية أخرى، يبدو واضحاً أن المهرجان نجح في كسر الفجوة بين الاقتصاد والمجتمع، فالفرص الوظيفية الموسمية، وحضور الشباب والشابات في تفاصيل التنظيم والإنتاج والتسويق، تعني أن التنمية هنا لا تُدار من الأعلى فقط، بل تُصنع من الداخل، وهذا النوع من التمكين، في رأيي، هو الاستثمار الأكثر ذكاءً، لأنه يخلق علاقة انتماء حقيقية بين الإنسان والمكان.

ولا يمكن تجاهل أن ما يحدث في الأحساء اليوم يتجاوز التمور نفسها، وهناك حراك سياحي يتشكل بهدوء، يعتمد على الإرث لا على الصخب، وعلى التنوع لا على النمط الواحد، فالأحساء تقدّم نفسها كوجهة تعرف من تكون، فلا تتكلّف، ولا تقلّد، بل تستثمر خصوصيتها بثقة.

وأرى أن مهرجان تمور الأحساء المصنعة، ليس مناسبة تُضاف إلى قائمة الفعاليات التي إزدهرت بفعل أمير منطقتها الشاب الأمير سعود بن طلال بن بدر، بل تجربة تُضاف إلى الوعي، وتجربة تقول إننا حين نُحسن قراءة ما نملك، ونُحسن تقديمه، يمكن لثمرة واحدة أن تفتح أبواباً كثيرة أبواباً للاقتصاد، وللسياحة، وللهوية، ولضيافة سعودية تعرف كيف تبتكر دون أن تفقد روحها.

ليست التمور مجرد محصول زراعي، ولا الأحساء مجرد مساحة خضراء تتزيّن بالنخيل، ففي هذه الواحة العتيقة، تتشكّل اليوم قصة مختلفة، قصة تقول إن التفاصيل الصغيرة قادرة على صناعة اقتصاد كبير، وإن الضيافة حين تُدار بوعي يمكن أن تصبح رسالة حضارية تتجاوز المكان.

كاتبة سعودية

آخر الأخبار