ما كتبه الأستاذ أحمد الجارلله في افتتاحية جريدة "السياسة" في عدد الأربعاء الموافق 14 يناير الجاري بعنوان "المال السيادي عليه التوجه إلى الداخل" يلامس حقيقة يعرفها كل مواطن ويُعيد فتح ملف ظلّ مؤجلاً سنوات طويلة: الكويت لا ينقصها المال ولا الموقع ولا الإمكانات، لكنها دفعت ثمن الانغلاق وتعطيل الفرص.
لذلك كان طبيعياً أن يستقبل الناس الانفتاح الذي أعلنته وزارة الداخلية بارتياح كبير، لأن الاقتصاد مثل الجسد، لا يعيش وهو محاط بالقيود، لكن الحقيقة الأهم أن الانفتاح وحده ليس كافياً، إذ لا بد أن يتحول إلى مشاريع، وحركة، وسوق تتنفس، وإلى دولة تنافس من جديد، وتستعيد ما فاتها.
الجرأة ليست في أن نكرر الحديث عن التنمية، بل في أن نصنع لها أداة، وأن نحول الوفرة المالية إلى أثر اقتصادي داخل الكويت، ومن هنا تبرز الفكرة والمبادرة التي أطرحها بوضوح: تأسيس "جهاز الاستثمار الداخلي"، ككيان اقتصادي استثماري منضبط، هدفه الأساسي تحريك السوق المحلي، ودعم المشاريع الوطنية، ورفع كفاءة الاستثمار داخل البلاد، دون أن يتعارض ذلك مع الاستثمارات الخارجية، أو يضعفها.
ليس على هيئة دعم عشوائي أو شعارات، بل ككيان منضبط يحمل رؤية عملية مفادها أن استقرار الاقتصاد لا يُترك للظروف، وأن تحريك السوق لا يكون بالتصريحات، وأن خلق الوظائف لا يتحقق بالتمني.
إن اقتصاد الكويت في السنوات الماضية دفع ثمناً مضاعفاً: فقدان فرص استثمارية وتنموية كانت كفيلة بتغيير شكل البلاد، ثم ترك السوق يتأثر بالتقلبات، دون أدوات كافية تمتص الصدمات، وتعيد التوازن بسرعة، والأسواق بطبيعتها لا تخلو من الاضطراب، لكنها تختلف بين دولة تملك أدوات تدخل ذكية فتتجاوز الأزمة، وأخرى تترك السوق يواجه وحده ثم تتفاجأ بالخسائر!
وجود جهاز الاستثمار الداخلي يعني أن الدولة تقول للمستثمر والمواطن: نحن هنا، لدينا خطة، ولدينا قدرة على حماية الاستقرار، دون أن نقتل روح السوق، أو نكبل حركته.
والأهم من ذلك أن المشاريع المحلية ليست ترفاً، والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، تحديداً، ليست مجرد نشاط تجاري محدود، بل هي قاعدة الاقتصاد الحقيقي، لأنها تخلق وظائف، وتبني طبقة منتجة، وتحرك سلاسل التوريد والخدمات، وتخفف الوطء عن الالتزام الحكومي بتوظيف الكويتيين!
وحين تتعثر هذه المشاريع، يتضرر معها الموظفون والأسر والتجار والموردون، وتبدأ موجة ركود صامتة تمتد آثارها لسنوات، لذلك فإن دعم المشاريع المحلية ليس مجرد مساعدة لأصحاب المشاريع، بل هو حماية للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في آن واحد.
كما أن الكويت تمتلك فوائض مالية ضخمة، لكن جزءاً منها لا يعمل بكفاءة داخل البلاد، وكثير من الاستثمارات تتجه إلى الخارج، بمخاطر عالية أو عوائد أقل من المتوقع، بينما الداخل بحاجة إلى تطوير البنية التحتية، وتحسين تجربة الزائر والسائح، وإطلاق مشاريع، خدمية وصناعية وزراعية وتقنية، تُدخل الكويت في قلب المنافسة الإقليمية.
وقد لخّص الجارالله هذه الصورة بدقة حين أشار إلى أن البنية التحتية تحتاج إلى "نفضة كبيرة"، وإلى قوانين أكثر مرونة تخدم الاستثمار، وتفتح الأبواب بدل أن تصنع المتاريس.
لكن أي فكرة مهما كانت عظيمة يمكن أن تتحول إلى مشكلة، إذا غابت عنها الحوكمة، لهذا لا بد أن يُبنى جهاز الاستثمار الداخلي على مبدأ واضح: لا دعم بلا معايير، ولا استثمار بلا شفافية، ولا تدخل في السوق بلا ضوابط معلنة، ولا شراكات بلا رقابة قانونية ومحاسبية، فحين تكون الحوكمة قوية، يتحول جهاز الاستثمار الداخلي إلى مؤسسة وطنية محترمة، ترفع الثقة، وتعيد ترتيب الأولويات، وتمنح الاقتصاد أداة استقرار ورافعة نمو.
الرسالة الأساسية التي يجب أن تصل اليوم هي أن الكويت لا تحتاج مزيداً من الأماني، بل تحتاج إلى قرار يترجم الانفتاح إلى نمو، ويترجم المال إلى مشاريع، والفرص إلى وظائف.
جهاز الاستثمار الداخلي ليس شعاراً جميلاً، بل هو خطوة عقلانية تضع الكويت على طريق المنافسة من جديد، وتمنح السوق المحلي القدرة على الوقوف بثبات مهما تغيرت الظروف.