الاثنين 19 يناير 2026
18°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
جهاز الاستثمار الداخلي خطوة إنقاذ لا تحتمل التأجيل (2-2)
play icon
كل الآراء

جهاز الاستثمار الداخلي خطوة إنقاذ لا تحتمل التأجيل (2-2)

Time
الأحد 18 يناير 2026
بسام فهد ثنيان الغانم

لكي لا تبقى فكرة جهاز الاستثمار الداخلي مجرد عنوان جذّاب، فإن نجاحها الحقيقي يبدأ من التصميم الفني الذكي، لأن الاقتصاد لا يُدار بالنوايا الحسنة وحدها، بل بالهندسة المالية، والانضباط المؤسسي، والوضوح في الأهداف والنتائج، وأفضل نقطة انطلاق في رأيي أن يبدأ ذلك الجهاز برأس مال قدره ثلاثون مليار دولار، هذا الرقم كبير بما يكفي ليصنع أثراً اقتصادياً حقيقياً، وفي الوقت نفسه هو نسبة متواضعة للغاية مقارنة بحجم ما تملكه الصناديق السيادية الكويتية، والتي يُتداول أنها تقترب من تريليون دولار.

الفكرة هنا ليست الاقتطاع الكبير، بل تخصيص جزء محدود، لكنه مؤثر، لأنه سيعود بالنفع مضاعفاً على الاقتصاد المحلي والاستقرار الاجتماعي.

الجهاز يجب أن يعمل كذراع استثمارية داخلية، لا كجهة منح، الفرق جوهري، لأن المنح قد تصنع اعتماداً، بينما الاستثمار يصنع إنتاجاً وعوائد، ولذلك يمكن أن يتبنى الجهاز نمطاً متوازناً في أدواته: يدخل كشريك في مشاريع واعدة حين يكون السوق بحاجة إلى دفع قوي، ويقدم تمويلاً ميسراً حين تكون المشكلة في السيولة أو تكلفة التمويل، ويوفر ضمانات ذكية حين يكون الهدف تحريك البنوك نحو دعم المشاريع دون خوف مفرط من المخاطر، ويؤسس محافظ قطاعية، حتى لا تضيع الأموال في عموميات لا تقاس، ولا تُحاسب.

وفي تقسيم رأس المال، يمكن للجهاز أن يوازن بين الاستثمار طويل الأجل وتحريك الاقتصاد السريع، جزء منه يُوجه إلى مشاريع بنية تحتية وتنموية ضخمة تعيش عشرات السنين، وتخلق وظائف، وتعزز الثقة، وجزء آخر يُخصص لتمويل الشركات المحلية والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، حتى تتحول إلى شركات أكبر وأكثر قدرة على التوسع.

جزء ثالث يكون ذراعاً للاستقرار يتدخل عند التقلبات الحادة في السوق، وفق معايير صارمة تمنع العبث، وتمنع تضارب المصالح، ويبقى جزء صغير مخصص للتقنية والابتكار، والمشاريع المستقبلية، لأن الاقتصاد الذي لا يضع موطئ قدم في التكنولوجيا يدفع ثمن التأخر مضاعفاً.

أما من حيث المجالات التي يستهدفها جهاز الاستثمار الداخلي، فالأولوية يجب أن تكون للقطاعات التي تُحرّك الاقتصاد من الداخل بدل أن تكرر دورة الاستهلاك، فالمشاريع الصغيرة والمتوسطة يجب أن تكون في مقدمة المستفيدين، لأنها أسرع طريق لتوفير الوظائف، وإحياء السوق.

الصناعة التحويلية يجب أن تؤخذ بجدية لأنها تقطع فاتورة الاستيراد وتخلق سلاسل إنتاج محلية.

الأمن الغذائي والزراعة الحديثة لم يعدا رفاهية، بل ضرورة في عالم يتقلب.

الخدمات اللوجستية والموانئ والمخازن، والتوزيع، تمثل فرصة طبيعية للكويت بحكم الموقع، إذا اكتملت منظومة القرار والتنفيذ.

السياحة والترفيه واقتصاد الفعاليات باب ضخم للوظائف، والإنفاق الداخلي، بشرط أن تتطور تجربة الزائر والمواطن.

الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا المالية، والأمن السيبراني، يجب أن تُدعم لأنها أصبحت عمود الاقتصاد العالمي.

الصحة والدواء والخدمات العلاجية قطاع عالي العائد ومهم اجتماعياً في الوقت نفسه.

التعليم والتدريب المهني هو الاستثمار الذي يضمن ألا تبقى التنمية "مشاريع حجر" دون "إنسان قادر" على إدارتها.

وأخيراً الطاقة المتجددة، وكفاءة الطاقة تمثل رهان المستقبل لأن العالم لا ينتظر المتأخرين.

ولكي يصبح هذا الجهاز نموذجاً للثقة لا ساحة للجدل، يجب أن يكون له مجلس إدارة محترف مستقل، ولجان مراجعة داخلية وخارجية، وتقييم أداء دوري يعلن للناس قبل المسؤولين أين ذهب المال وما هي النتائج.

يجب أن تكون هناك شفافية تُشبه شفافية الشركات الكبرى، لأن المال العام حين يتحول إلى مشاريع يجب أن يكون واضح المسار، لا غامض الطريق، وبهذه المعايير يصبح جهاز الاستثمار الداخلي فرصة جامعة لا ملفاً خلافياً.

الخلاصة أن ثلاثين مليار دولار ليست تكلفة، بل هي تأمين اقتصادي لمستقبل الكويت.

هي أداة تمنح السوق استقراراً، وتمنح المشاريع المحلية فرصة للنمو، وتمنح الدولة قدرة على تحويل الانفتاح إلى إنجاز ملموس. وإذا كانت الفرص كما قال الاستاذ أحمد الجارالله طيراً عابراً، فإن الصندوق الوطني هو الشبكة التي تلتقط الفرص قبل أن تفلت، وهو الخطوة التي تقول للكويت: المستقبل لا ينتظر أحداً، فلنبدأ الآن.

آخر الأخبار