الدّقة في التعبير الشفهي والتحريري غير البلاغة فيه، وأرى: أن الأخيرة هي الأهم؛ لتحقيق المتعة والفائدة من النص الأدبي المقروء، أو المسموع، أو المكتوب.
فأن تكون دقيقاً امر حسن، لكن الأحسن أن تكون بليغاً، حتى في الحياة الخاصة، عليك ألا تكون دقيقاً في كل الأحوال، لا سيما مع أهلك ومعارفك وأصدقائك؛ وإلّا تعبتَ وأتعبتَ. مصداقا لقول شاعرنا العربي بشّار بن برد:
"فإذا كنت في كل الأمور معاتبا
صديقك لن تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحدا أو صل أخاك فإنه
مقارف ذنب مرّة ومجامله
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى
ظمئتَ وأي الناس تصفو مشاربه"
المهم: لا تعاتب كثيراً، وعلى كل صغيرة وكبيرة مشّيها، سهلها، الله يوفقك. لا تقف عند الصغائر كي لا تصغر مثلها.
كبّر عقلك، وسّع صدرك لتكبر. وعندنا مثل فلسطيني يقول:" يابوي؛ علّمني التفاهة.
قال له: تعال للفاضية، واتصد لها"، يعني اعمل من الحبّة قبّة"، على رأي إخواننا المصريين.
كبِّر الصغيرة، وضخّم القميئة، وطوّل القصيرة.
الدّقة في اللغة العربية، يعتبرها البعض مزيّة، لكن البعض الآخر -وأنا منهم- لا أعتبرها كذلك! وعليه؛ فإن من الأفضل، أن نبتعد في دروسنا للغة العربية في مدارسنا، عنها، ولنأخذ مثالاً: نحن ندرّس الطالب، أن أي تغيير في حركة أو بنية الكلمة يمكن أن يغيّر معناها، ونعقّده بقولنا له: إذا اختلف المبنى اختلف المعنى، مثل: البر بكسر الباء، والبرَ بفتح الباء، والبر بضم الباء، يجعل لكل منها معنى مختلفاً عن الآخر؛ فالأولى بالكسر تعني الوفاء؛ فنقول: بِر الوالدين واجب، والثانية بفتح الباء تعني الخلاء، فنقول: ارتياد البَر في الربيع ممتع، أما في الثالثة بضم الباء فتعني القمح فنقول: البُر غذاء للإنسان.
والحِلْم (التعقل) بكسر الحاء غير الحُلْم (رؤية ليلية)، بضم الحاء، غير الحُلُم (البلوغ عند الصبي والصبية) غير الحَلْم (الفساد)
والشّمال بكسر الشّين، غير الشّمال بفتح الشّين.وفي لغتنا: الخلق بكسر الخاء وفتحها وضمّها، ولكل منها معنى خاص (انظر المعجم العربي الوسيط)، وإذا لفظت: الثروة اللّغوية بفتح اللام المشددة، خطأ؛ والصحيح بضمها، نسبة إلى اللُّغة، وليس إلى اللَّغو أي الكلام الذي لا قيمة له، أو فائدة منه، والمناخ بفتح الميم غير المناخ بضم الميم.
مثل هذه المهارات اللغوية اللسانية، وهي بالعشرات، بل والمئات في "العربية" الصعبة، يدرسها بعض طلبة مدارسنا، وخصوصاً في المرحلة الثانوية، مع أنها مهارات لغوية معقّدة، من شأنها أن تعقّد حياتهم الخاصة. فلماذا نعتبرها من أسرار اللغة العربية وهي من فذلكاتها؟
صحافي فلسطيني