الثلاثاء 20 يناير 2026
15°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الفقراء... يجمعهم الحزن
play icon
كل الآراء

الفقراء... يجمعهم الحزن

Time
الاثنين 19 يناير 2026
د.بدر عثمان مال الله

الفقراء لا تجمعهم لغة ولا جنسية، يجمعهم حزنٌ صامت لا يُكتب في التقارير، ومن اخترع مؤشر الفقر، فاته أن يخترع رديفه مؤشر الحزن.

فوفق أحدث تقديرات البنك الدولي يعيش نحو 700 مليون شخص في فقرٍ مُدقع، بدخلٍ يعادل دولارين في اليوم أو أقل (معيار خط الفقر الدولي)، يمثلون نحو8.5 في المئة من سكان العالم، وإذا رفعنا معيار خط الفقر إلى 6.8 دولار في اليوم، وهو الأقرب إلى الواقع، فإن 3.4 مليار نسمة، أي نحو44 في المئة من سكان الأرض، يعيشون تحت خط الفقر، في عالم تحدث بإسهاب عن مكافحة الفقر، بينما تصنع أفعاله هذه المأساة الإنسانية، إن فقراء العالم لا تجمعهم تلك الحياة البائسة فقط، لكن يجمعهم الحزن في عالمٍ قاسٍ.

الفقراء يحزنون لعلمهم أنهم مهما فعلوا فلن يكفي للخروج من دائرة الفقر. حزنهم حزن العجز أمام طغيان الحياة، حزن اللا جدوى، حزن الانتظار الدائم، حزن الوعود التي لا تأتي، حزن العائد الذي يقل كثيرا عن الجهد، وحزن التغيير الذي لا يتحقق، حزن متعدد الأبعاد يتلخص في نظرة أم لطفل خرج مبكراً من الطفولة.

الفقر ليس حادثاً فردياً، أو مسؤولية شخصية، فهو أبعد و أكثر تعقيدا. فالفقر لا يعني فقط نقص المال، لكنه نقص في تعليم جيد، وغياب خدمات صحية كافية، وساعات عمل طويلة، وفقدان الثقة في المستقبل...إنه حياة من البؤس المركب الذي تتدهور فيه الكرامة الإنسانية تدريجياً.

لقد علمتني الحياة أن التنمية ليست في مؤشرات النمو الإقتصادي والناتج المحلي الإجمالي، بل في مؤشرات الأمل في حياة كريمة للفقراء، ومؤشرات العدالة الحقيقية تبدأ حين ينتهي حزنهم. والأكثر حزناً، أن الفقر أصبح حالة عامة انتجها الازدهار العالمي ثم وضعها على الهامش، وكلما ازداد ازدهارا ازدادت اتساعا وهامشية، والفقراء يحكمون على الحضارة لا على أساس انتاجها المادي، لكن على أساس توزيعها العادل، وقدرتها على ترسيخ المعنى في الحياة.

يعيش غالبية فقراء العالم، قرابة 92 في المئة منهم، في الدول النامية، والفقر في تلك الدول ليس حزنا فقط، انما وجع متواصل. فقرٌ متعدد الأبعاد يتلاقى فيه سوء التغذية ونقص التعليم، والصحة وندرة الصرف الصحي والمياه الآمنة للشرب ونقص الكهرباء والمأوى الآمن، ومن بين كل ستة أطفال يعيش واحد في فقر مدقع. ورغم الجهود التي تبذلها المنظمات والوكالات الإنسانية، فإن حالة الفقر ما فتأت تزداد وتتفاقم، يغذيها عدم المساواة والفجوة الكبيرة بين الأغنياء والفقراء والصدمات الاقتصادية وضعف الحوكمة وسياسات مكافحة الفقر، وفي كل ذلك الإستعمار بشكليه القديم والجديد.

إن إقصاء الفقراء ليس بالحرمان فقط، لكن بدفعهم للتكيف مع واقع لا يستطيعون تغييره، واقع تتبخر فيه الأحلام ويتراكم فيه الحزن الذي يتماهى مع كل شيء في حياتهم. فالفقر شكل مؤجل من أشكال الوجود الإنساني، فالحلم مؤجل، والمعنى مؤجل، وإستيفاء الحاجات مؤجل، وتحقيق الهدف مؤجل، والعيش الكريم مؤجل، وكل ما يتصل بالحياة مؤجل.

ولأن عالم اليوم تُقاس فيه القيمة بالإنتاج والاستهلاك يصبح الفقراء أقل نفعا في موازين الأسواق، التي تحدد القيمة الإنسانية بمعايير مادية، ويصبح التهميش قاسمهم المشترك.

الحزن يُورَّث كما يُورَّث الفقر نفسه، فمن يولد فقيرا يولد معه إيحاء داخلي بغياب الإنصاف في هذا العالم، بما يجعل حاضره روتينا متكررا من التعب، ومستقبله ضبابيا لا يوثق به، فيحل التردد والخوف محل الجرأة والطموح، والقلق محل الاطمئنان والسكينة، واللامعنى محل الثقة، وهكذا يتشكل تكوينه النفسي وتصبح السعادة له دون دلالة، ويصبح الحزن مكون محبط في الوعي يفقد فيه الفقير قدرة البحث عن مكان لذاته.

إن كل تقدم تحرزه الحضارة المعاصرة في تقليل الفقر هو تقدم نحو انسانيتها، والحضارة التي تتزايد ثرواتها ويتزايد فقراؤها تصبح منظومة من الإقصاء والتهميش، ويصبح الفقر شهادة صامتة على خللٍ عميق في معنى العدالة والإنسانية.

المدير العام السابق للمعهد العربي للتخطيط

آخر الأخبار