مرايا الروح
يوماً بعد يوم، يتأكد لنا أن الإنسان لا يُقاس بما يظهر منه، بل بما يختبئ في داخله. فكل ما نراه من لونٍ، أو ملامح، أو أزياء، أو شهادات، أو ألقاب، أو إنجازاتٍ، مهنية وأكاديمية، قد يلمع في أعين الناس، لكنه يفقد قيمته كاملة إذا اجتمع بقلبٍ خبيثٍ منافق؛ فهنا وحدها تتهاوى المقاييس الزائفة، ويبرز الميزان الحقّ… القلب. ذلك لأن الإنسان، في جوهره العميق، لا يُختصر في مظهرٍ أو منصب، ولا تُحدِّده ورقة اعتماد، أو سيرة ذاتية لامعة، بل يُعرف من تلك المساحة الخفية التي لا تُرى بالعين، ولا تُقاس بالأرقام.
لقد تعلّمنا، أو أُجبرنا، على تصديق أن القيمة تُصنع خارجياً: تعليم، وظيفة، حضور اجتماعي، أناقة، خطاب واثق، وإنجازات قابلة للتوثيق.
غير أن هذه العناصر، مهما بلغت درجة اكتمالها، تظل أدوات لا معنى لها إن خرجت من قلبٍ تكدّست فيه الأنانية، وتغلغل الحسد في نبضه، أو ملوّث بسوء النية، أو معتاد على تبرير الأذى. فالقلب ليس عضواً عاطفياً فقط، بل هو مركز القرار الأخلاقي، ومحرّك السلوك، وبوصلة النوايا.
حين يفسد القلب، يصبح الذكاء وسيلة مراوغة، والعلم أداة سيطرة، والكلمة سلاحاً ناعماً للإيذاء، والنجاح غطاءً لتضخيم الذات على حساب الآخرين.
عندها، لا يعود الخطأ زلّة، بل اختياراً متكرراً، ولا يعود الأذى استثناءً، بل نمطاً مبرّراً بعبارات أنيقة ومنطق انتقائي. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: أن يتزيّن التزييف بملامح الاحترام، وأن يختبئ القبح خلف أقنعة الإنجاز.
القلب القبيح لا يعلن نفسه صراحة، لكنه يتسرّب في التفاصيل. تراه في نبرة استعلاء، في متعة خفية عند سقوط غيره، في نزعة جافة تتقن التستّر باسم الواقعية، وفي برودٍ يتخفّى خلف العقلانية. هو قلبٌ لا يرى الإنسان كقيمة، بل كوسيلة، ولا يتعامل مع المبادئ بوصفها التزاماً، بل أدوات تُستدعى حين تخدم المصلحة وتُقصى حين تعيقها. مثل هذا القلب، مهما بلغ صاحبه من رفعة شكلية، يظل عبئًا على المجتمع، لأنه يُنتج خللا يتسلل إلى العلاقات والبُنى الاجتماعية والقرارات.في المقابل، يقف "القلب السليم" كقيمة نادرة في زمن الصخب الزائف. ليس لأنه مثالي أو منزّه عن الخطأ، بل لأنه واعٍ بمسؤوليته.
القلب السليم يعرف أن القوة أمانة، وأن المعرفة تكليف، وأن التأثير امتحان. هو قلبٌ يُخطئ فيعتذر، ويُراجع نفسه قبل أن يُدين غيره، ويقدّم العدالة على الظفر المبين، والضمير فوق المكاسب. ولذلك، فإن أثره يتجاوز حدود الفرد ليصنع بيئة أكثر توازنا وأقل تبلّدا في الضمير.
ولعل أكثر ما نحتاج إلى مساءلته اليوم هو هذا الانفصال الخطير بين النجاح والقيمة. فقد أصبحنا نكافئ النتائج دون أن نسأل عن الطرق، ونحتفي بالصعود دون أن نتفحّص الثمن الأخلاقي المدفوع في الطريق.
ومع الوقت، يتحوّل هذا التساهل إلى ثقافة عامة، تُبرَّر الفظاظة باسم الحزم، والتجاوز باسم الطموح، وإقصاء الآخر باسم التفوق. ثم نتفاجأ بتآكل الثقة، وتفكك العلاقات، وانتشار التسلّط الخفي الذي يفتك بالكرامة دون صوت، وكأنها ظواهر مفاجئة، بينما جذورها كانت تنمو بصمت في قلوبٍ لم تُربَّ على المحاسبة الداخلية.
إن القلب السليم ليس مفهوماً دينياً أو أخلاقياً مجرداً فقط، بل هو ضرورة اجتماعية. فالمجتمعات لا تنهار فقط بسبب الفقر أو الجهل، بل بسبب تطبيع سوء النية، وتكريس اللامبالاة الأخلاقية، وتحويل الإنسان إلى رقم أو أداة. وعندما يغيب القلب عن معادلة التقييم، يصبح كل شيء قابلاً للبيع: الكلمة، الموقف، الضمير، وحتى الحقيقة نفسها.من هنا، فإن إعادة الاعتبار للقلب ليست ترفاً فكرياً، بل فعل مقاومة هادئة في وجه الرداءة. مقاومة تُعيد ترتيب الأولويات، وتضع الإنسان قبل الصورة، والنية قبل النتيجة، والقيمة قبل المكسب.
هي دعوة لأن نُربّي القلوب كما نُدرّس العقول، وأن نُهذّب الداخل كما نُتقن الخارج، لأن أي اختلال في هذا التوازن سيُنتج إنساناً مشوّها مهما بدا ناجحاً.
في النهاية، قد نُقنع العالم بما نُظهره، وقد ننجح في خداع الآخرين لبعض الوقت، لكننا لا نستطيع أن نخدع المعيار الأخير. ذلك المعيار الذي لا يقبل التزييف، ولا يُجامل، ولا ينخدع بالمسميات. إنما المرء بقلبه.
فإن سلم القلب، صلح الفكر، واستقام السلوك، وتحوّل النجاح إلى قيمة مضافة. وإن فسد، سقط كل ما عداه، مهما بدا مكتملا في أعين الناس.
كاتبة كويتية