في سياق التحولات الاجتماعية والقانونية تشهد العديد من الدول العربية تحولات عميقة في بنية أنظمتها القانونية والسياسية، وفي علاقة الدولة بالمواطن.
وفي خضم هذه التحولات، يبرز النقاش حول عقوبة الإعدام كأحدى القضايا الجوهرية التي تتطلب تفكيراً متأنياً، يراعي الخصوصيات، الثقافية والدينية، دون إغلال للتطورات الدولية في مجال حقوق الإنسان والعدالة الجنائية.
العقوبة بين الثابت والمتغير في الفقه والقانون
لطالما تميز الفقه الإسلامي بالحيوية والاجتهاد، وقدرته على التكيف مع تغير الظروف والأزمان. وقاعدة "تغيير الأحكام بتغير الأزمان" تعكس مرونة التشريع وقابليته للتطوير.إن النقاش حول عقوبة الإعدام في العالم العربي لا يجب أن يُختزل في صراع بين "التقليد" و"الحداثة"، بل يجب أن يكون حواراً مؤسساً على مقاصد الشريعة، التي ترمي إلى حفظ النفس والعقل والمال والعرض والدين.
والسؤال الجوهري هو: هل تخدم عقوبة الإعدام هذه المقاصد في سياقاتنا المعاصرة، أم أن هناك بدائل تحقق الردع والعدالة مع الحفاظ على إمكانية التصحيح والإصلاح؟
إشكاليات التطبيق وضرورات الإصلاح القضائي
تواجه العديد من الأنظمة القضائية العربية تحديات جسيمة في ضمان محاكمات عادلة، خالية من التعذيب، ومستوفية لشروط الإثبات القاطعة. وفي ظل وجود أي شبهة، يصبح تنفيذ عقوبة لا رجعة فيها مُخالفاً للقاعدة الفقهية الأصيلة "ادرأوا الحدود بالشبهات".
كما أن التفاوت الاجتماعي والاقتصادي، وتباين فرص الوصول إلى دفاع قانوني فعّال، يطرح تساؤلات حول عدالة تطبيق العقوبة، وإمكانية أن تكون نتائجه خاضعة لعوامل غير قانونية.
التجارب الدولية والعربية: دروس وعِبَر
يشهد العالم تراجعاً ملحوظاً في تطبيق عقوبة الإعدام، حتى في العديد من الدول ذات الأغلبية المسلمة. وقد ألغت أكثر من 170 دولة هذه العقوبة في القانون، أو في الممارسة.
هذه الحركة العالمية تستند إلى دراسات وأبحاث تشكك في فاعلية الإعدام كرادع للجريمة، وتؤكد على قدسية حق الحياة كحق غير قابل للتصرف.
في السياق العربي، توجد تجارب متفاوتة؛ فبعض الدول تطبق العقوبة بنطاق محدود أو تعلّقتها بحكم الواقع، بينما تظل في قوانين أخرى. وهذا التنوع يخلق فرصة لتبادل الخبرات ودراسة الآثار الاجتماعية والقانونية لكل نموذج.
نحو بدائل تحقق العدالة والإنصاف
لا يعني إلغاء عقوبة الإعدام التساهل مع الجريمة أو التخلي عن ضحاياها، بل العكس، فهو دعوة لإعادة تصور نظام العدالة الجنائية، ليكون أكثر إنصافاً وفعالية. يمكن للعقوبات السالبة للحرية لفترات طويلة، مع برامج إصلاح حقيقية وتعويضات للضحايا، أن تحقق أهداف العقوبة من زاوية اجتماعية وإنسانية أعمق.
كما أن تعزيز العدالة الاجتماعية، ومكافحة الفقر والجهل، والاستثمار في التعليم والصحة، يعد من أهم وسائل الوقاية من الجريمة، وهو ما يتسق مع مقاصد الشريعة في درء المفاسد وجلب المصالح.
النقاش كضرورة وطنية وإنسانية
إن الدعوة لإعادة النظر في عقوبة الإعدام هي دعوة لتعميق الفكر القانوني والأخلاقي في مجتمعاتنا العربية. هي حوار يستلهم تراثنا الفقهي الغني الذي يُقدِّر الحياة، ويراعي الظروف، ويستوعب في الوقت نفسه المعايير الإنسانية العالمية.
إنها مسؤولية المشرعين، والباحثين، والقطاعات المجتمعية كافة، أن يفتحوا هذا النقاش بهدوء وعقلانية، بعيداً عن التسييس أو الاستقطاب، وبقرب من قيم العدالة والرحمة التي تجمع عليها كل الشرائع السماوية والمواثيق الإنسانية.
لنكن جزءاً من هذا الحوار العالمي، لا كمستوردين لأفكار جاهزة، بل كمساهمين فاعلين، نقدم رؤيتنا المستمدة من تاريخنا وثقافتنا، والمتطلعة إلى مستقبل يحفظ لكل إنسان كرامته وحقه في الحياة.
وزير الصحة التونسي سابقاً