الدول القادرة تركز قوتها، بهذا الوضع غير المستقر عالمياً، في الاقتصاد المتنوع الذي فيه روح الاستدامة، لأن ذلك يؤدي إلى استقرار اجتماعي وسياسي، وهذا يكون عبر بنية تحتية متطورة، وقدرة تكنولوجية عالية، وإدارة رشيدة للموارد، ومسؤولين يدركون كيف يوظفون رأس المال في ضمان استمرارية قوة الدولة، والاستفادة من الطاقات البشرية.
لهذا، ومنذ عقود طويلة، أصبحت القوة الإبداعية البشرية، والمهن النادرة حاجة للدول، وهو ما أدركته الدول الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، بل كل البلدان الساعية إلى ضمان قوة اقتصادها عبر استعانة بالعقول من بلدان أخرى، ومنحتهم كل أسباب الراحة، والجنسيات، كي يكونوا قيمة مضافة تنافس بهم الدول الأخرى.
على هذا الأساس، مثلاً، منحت ألمانيا ما يزيد على 290 ألفاً جنسيتها في العام 2024 وحده، كذلك منحت 8500 سوري حق المواطنة، وهم من أصحاب المهن النادرة التي تحتاج إليها البلاد، فيما تركيا تمنح الجنسية سنويا لآلاف الناس الذين يستثمرون فيها، ويسهمون في تحريك الاقتصاد المحلي.
كذلك الأمر في السعودية والإمارات وعُمان، التي بعضها تمنح الجنسية لمن يمتلك فيها، أو لديه مهنة مميزة، أو غيرها مما يخدم اقتصادها، ولهذا في الإمارات، على صعيد المثال، بلغت حصة الاقتصاد غير النفطي من إجمالي الناتج المحلي نحو 77.5 في المئة، ما يعني أن هذه الدولة تقترب من الانفطام عن النفط، وهذه خطوة كبيرة في مجال قوتها.
كل دول العالم، بما فيها الخليجية، تهتم بجذب المهارات البشرية ورأس المال للاستثمار، فإما تعطيهم الإقامة الدائمة، أو الجنسية، كي يندمجوا في المجتمع والاقتصاد المحلي، حتى أن الكثير منها تغري المستثمرين بالعقارات، حتى لو اشترى أحدهم شقة، بالجنسية.
في الكويت ثمة الكثير من الفرص التي يمكن أن تكون جاذبة لرأس المال الأجنبي، والمستثمر الذي يبحث عن فرصة استقرار، ويوظف أمواله في مشاريع منتجة، فلماذا لا تعمل الدولة على تغيير القوانين التي تحد من حرية حركة المستثمرين وأصحاب المهن النادرة، وتسير في الطريق الذي سارت عليه دول الخليج الأخرى، بل غالبية دول العالم؟
لدينا الكثير من الأراضي غير المستغلة، وهناك مساحات ليست عليها أي منشآت، ومتروكة منذ زمن في العاصمة أو المناطق القريبة منها، فلماذا لا تمنح تلك الأراضي إلى الصناديق الاستثمارية، كمؤسسة التأمينات وبيت الزكاة، والهيئة العامة للاستثمار، وغيرها، فتعمل على تشييد العمارات والمشاريع وتبيعها إلى المستثمرين الأجانب بأسعار تشجيعية أو بسعر السوق، فذلك يدر الكثير من المال على الخزينة العامة، ويعزز الناتج الوطني؟
إن الاستفادة من القدرات البشرية، أياً كانت، قيمة مضافة للدول، لأن ذلك يؤدي إلى خلق فرص عمل، ونقل الخبرات، وزيادة الاستثمار الأجنبي المباشر، وتحسين البنية التحتية، وتنويع مصادر الدخل، وزيادة التجارة، ما يسهم في النمو الاقتصادي الكلي، وهذا لن يتحقق إلا إذا كانت هناك موازنة هذه الفوائد بتنظيم قانوني متطور، ومرن في الوقت نفسه.
العالم يمشي في طريق التطور رغم الأزمات والمشكلات الأمنية والحروب، وبالتالي من يستفيد من هذه الفرص ذاك المدرك الصياد الماهر.