الخميس 22 يناير 2026
8°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
لا تكن كضفدعٍ في البئر
play icon
كل الآراء

لا تكن كضفدعٍ في البئر

Time
الأربعاء 21 يناير 2026
يوسف راشد الهاجري

يُقال في الحكمة الصينية "الضفدع في البئر يظن أن السماء لا تتجاوز فوهتها"، وهو مثلٌ بسيط في ألفاظه، عميق في معناه، يختصر مأساة الإنسان حين يحبس فكره داخل حدودٍ ضيقة، ويقيس العالم بعينيه فقط، لا بعقله ولا بتجربته.

ضفدع البئر لم يُخطئ لأنه رأى السماء صغيرة، بل أخطأ لأنه لم يحاول الخروج من البئر. وهنا جوهر الحكمة؛ فالمشكلة ليست في الجهل وحده، بل في الرضا به، والاطمئنان إلى رؤية ناقصة، والتعصب لفكرة لم تُختبر خارج إطارها المحدود.

كم من الناس يعيشون في آبارٍ صنعوها بأنفسهم؟

بئر الفكر الواحد، وبئر التجربة الواحدة، وبئر الرأي الذي لا يقبل النقاش.

يرفضون الاستماع، ويخافون الاختلاف، ويظنون أن ما لم يروه بأعينهم غير موجود، وأن ما لم يمروا به لا قيمة له. وهكذا، تضيق السماء في عيونهم، لا لأن الكون ضيق، بل لأن الأفق عندهم مسدود.

العقل الذي لا يسافر، لا يقرأ، لا يتحاور، ولا يشك في مسلّماته، يشبه ضفدع البئر تماماً؛ يعيش عمره كله تحت سقفٍ وهمي، ويجادل من خرج إلى الفضاء الواسع بأن السماء لا تزيد عن دائرة صغيرة.

والأخطر من ذلك، أن ضفدع البئر غالباً ما يسخر ممن يخبره باتساع السماء، ويتهمه بالمبالغة أو الوهم، لأن الحقيقة أحياناً تُخيف من اعتاد الظلام، وتُربك من ألف الضيق.

إن التواضع المعرفي هو أول خطوة للخروج من البئر. أن تعترف أن ما تعرفه ليس كل شيء، وأن ما تراه ليس الحقيقة الكاملة، وأن الحياة أوسع من تجربة، وأعمق من رأي، وأغنى من موقف واحد.

الخروج من البئر لا يعني التخلي عن القناعات، بل تنقيتها، واختبارها، وتعريضها لضوء الشمس، فإما أن تزداد صلابة، أو تسقط لأنها لم تكن صالحة للحياة خارج الظل.

في عالمٍ تتسارع فيه المعرفة، وتتقاطع فيه الثقافات، يصبح ضفدع البئر أكثر عزلة، وأكثر ضجيجاً، وأقل فهماً. أما الإنسان الواعي، فيدرك أن اتساع الأفق ليس خطراً، بل نجاة.

فلا تكن كضفدعٍ في بئر… اخرج، وانظر، واسأل، وتعلّم، فالعالم أكبر مما ظننت، والسماء أوسع مما ترى.

محام وكاتب كويتي

yousefalhajri24@

آخر الأخبار