الخميس 22 يناير 2026
9°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
يا عم إن دنانيرك الخمسة جعلت مني طبيباً
play icon
الأخيرة

يا عم إن دنانيرك الخمسة جعلت مني طبيباً

Time
الأربعاء 21 يناير 2026
أحمد الجارالله
حديث الأفق
سنة 1994 مرضت ابنتي وكان عمرها 14 عاماً
طلب الأطباء نقلها إلى العاصمة وأنا كبير في السن
إرهاق السفر والحاجة ومرض ابنتي أرهقتني فبكيت
بين الحين والآخر أذرف الدمع وأتوارى عن ابنتي
سألني: هل معك أوراق طبية؟... أعطني بطاقتك
بدت عليه علامات الدهشة والاستغراب كثيراً وتنهّد
راح يتفرّس ملامحي ويقبِّل جبيني ولم يتمالك نفسه فبكى
حمل ابنتي وقال تعال معي ودخل جناحاً طبياً متخصصاً
قلت له: سيبقى صنيعك وخيرك يطوق عنقي ما حييت
قال: وها قد التقينا بعد أن منَّ الله عليَّ بأعلى المراتب

الوفاء ليس مجرد شعار، إنما هو عمل يومي يعبر عن الأخلاق والقيم التي يتمتع بها الشخص، لهذا في الأسطر التالية قصة عن الوفاء حتى بعد سنوات طويلة.

قال قروي من إحدى قرى الجزائر: إنه في سنة 1994 مرضت ابنتي، وكان عمرها 14 عاما، فطلب الأطباء نقلها إلى مستشفى في العاصمة، وأنا من إحدى قرى ضواحي الريف، وصلت إلى المستشفى، وسألت عن الجناح المقصود فوجدته بعيداً.

ولم أكن أعلم أن المستشفى كبير جداً لهذه الدرجة، يسير فيه الإنسان بسيارته، فكيف بشيخ مثلي؟ ومشيت قليلا، ولم أجد من يساعدني.

فتعب الشيخوخة، والسفر والحاجة، وتعب المرض الذي ألمّ بابنتي جميعها تجمعت ابتلاءات أرهقتني، جلست لأستريح، في مكان مخصص لركن السيارات.

وكنت بين الحين والآخر أذرف الدمع وأتوارى عن ابنتي، وعن الناس كي لا يشاهدونني باكياً.

وبينما أنا كذلك، وإذا بسيارة فاخرة تركن إلى جواري، فخرج منها شاب طويلة القامة يرتدي مئزراً أبيض، ثم توجه نحوي وسألني عن حاجتي، فخنقتني العبرات، ولم أقدر على الكلام، سألني: يا عم هل معك أوراق طبية، أعطني بطاقتك.

لما سلمت البطاقة للشاب راح يتأملني، ويتفحصني من رأسي إلى إخمص قدميي، وقد بدت عليه علامات الدهشة والاستغراب كثيرا، ثم أرسل تنهيدة من أعماقه.

وجلس إلى جانبي، وراح يتفرس في ملامحي تارة ويقبل جبيني تارة أخرى، ولم يتمالك نفسه من البكاء.

سألته: ما بك يا ولدي، هل أصابك مكروه؟ قال: لا، إنما أشفقت على حالك، وحال ابنتك.

ثم حمل ابنتي بين يديه، وقال تعال معي، دخل الشاب جناحاً طبياً متخصصاً، ووضع الطفلة على كرسي متحرك، وأخذ يأمر وينهي والكل يحييه تحية تقدير واحترام، ويتودد إليه، قلت يبدو إنه صاحب مكانة، وشأن كبيرين في المستشفى، وراح يطوف بالبنت بين قاعات الطوارئ ومختبر التحاليل، وجناح التصوير بالأشعة، وقسم التخدير والرعاية والجراحة العامة، وفي حدود الساعة الرابعة مساء كانت البنت قد أجريت لها عملية جراحية ناجحة، واستعادت وعيها.

حمدت الله حمدا كثيرا، وشكرت الشاب الذي كان لي ظهيرا وسندا ومعينا أرسله الله لي. قلت له: والله سيبقى صنيعك، وخيرك يطوق عنقي ما حييت.

وبعد ثلاثة أيام، أمر الطبيب الذي أجرى العملية الجراحية لابنتي بمغادرة المستشفى.

فطلب مني الشاب أن تمكث الطفلة في بيته أسبوعا آخر حتى تسترد عافيتها، وتستكمل نقاهتها، لأن السفر متعب والمسافة بعيدة، فخجلت من كرمه، وقلت له: سنعود إلى قريتنا أفضل، لكنه أصر إصرارا شديدا، واستجبت له، ومكثت في ضيافته سبع ليالٍ، وكانت زوجته تخدم ابنتي، وكان هو وأولاده يترفقون بي، وبابنتي، ويعاملونني بمنتهى الرقة واللطف والأدب.

وفي الليلة السابعة، وضعوا الطعام على المائدة، امتنعت على الطعام، وبقيت صامتا لا أتكلم، فقال لي الشاب: كل يا عم، ما ألمّ بك؟

قلت وبصوت مرتفع، ونبرة حادة: والله لن أذوق لكم طعاما إلا إذا أخبرتموني من أنتم، ومن تكونون، فأنتم تخدمونني طوال أسبوع كامل، ومن قبله في المستشفى، وأنا لا أعرفك، تخدمني وتبالغ في إكرامي، وكأنك تعرفني أو أحد أقربائك، وأنا لم ألتقيك من قبل سوى مرة واحدة في المستشفى، من أنت بالله عليك؟

قال: يا عم كل، وبعد العشاء أخبرك، قلت والله لن تدخل فمي لقمة واحدة ولن آكل طعامك، إن لم تخبرني من أنت ومن تكون؟

حاول الرجل التهرب من الجواب، لكنه وأمام إصراري أطرق برأسه قليلا، ثم قال بنبرة خافتة: يا عمي إن كنت تذكر، فأنا ذاك الطفل الذي أعطيته خمسة دنانير سنة 1964، عندما كنت أجلس خلفك في الحافلة، أنا فلان بن فلان.

قلت له تذكرتك. أنت ابن فلان، رحمة الله عليه من قريتنا. نعم... نعم، لقد تذكرت، يومها، كنت في الحافلة متجهاً من قريتنا الريفية إلى إحدى المدن القريبة، وكان يجلس خلفي صبيان عمرهما لا يتجاوز على ما يبدو الخمسة عشر عاما، فسمعت أحدهما يحدث الآخر قائلا: هذا العام شحت السماء والخريف يوشك أن ينصرم، والأرض لا تنبت شيئاً، وأبي فلاح فقير ليس بيده ما ينفقه عليَّ، ولذلك فأنا مضطر لترك الدراسة هذا العام، لعدم استطاعة أبي على مصاريف الدراسة.

لما سمعت الطفلين يتحدثان عن الفقر والحرمان بهذا الوعي الذي لا يدركه إلا الكبار، تأثرت وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت، وعلى الفور أخرجت من جيبي خمسة دنانير، وأعطيتها للصبي. وقلت له خذ هذه الدنانير، والمبلغ، آنذاك، كبير، وكان يفي لشراء الأدوات المدرسية كلها، لكن الصبي رفض أخذ الدنانير، فقلت له: ولماذا يا ولدي؟

قال: ربما يظن أبي أنني سرقتها.

قلت له: قل له فلان بن فلان، أعطاني إياها لشراء الأدوات المدرسية، فإن أباك يعرفني تمام المعرفة.

تهللت أسارير الطفل وأخذ الخمسة دنانير، وابتسم ابتسامة الرضا والسرور ودسها في جيبه.

ونسيت من يومها هذا الموقف، مع ذاك الصبي.

قال الشاب: أنا يا عم ذاك الصبي، ولولا الله ثم تلك الدنانير الزهيدة، لما أصبحت اليوم، بروفيسور في أكبر مستشفى بالجزائر... وها قد التقينا، بعد أن منّ الله عليَّ بأعلى المراتب.

فقد افترقنا سنة 1964، وها نحن نلتقي سنة 1994 أي بعد 30 عاماً، والحمد لله أن قدرني ربي لأرد لك بعض الجميل يا عم. الدنانير الخمسة التي أعطيتها لي صنعت مني أستاذاً في الطب. والله لو أعطاني أحد كنوز الدنيا لما فرحت بها الآن، كفرحي يومها بتلك الدنانير الزهيدة، يا عم فضلك عليَّ كبير، والله مهما فعلت

فلن أرد لك الجميل، فأسأل الله أن يجازيك خير الجزاء في الدنيا والأجر الكبير في الآخرة.

لذا صنائع المعروف تقي مصارع السوء، أو كما قيل ازرع جميلاً ولو في غير موضعه، فلا يضيع الجميل أينما زرع، إن الجميل وإن طال الزمان به فليس يحصده إلا الذي زرع.

نكشات  

يقول المجربون من الرجال: لا تتزوج من بيت سقطت فيه هيبة الرجال، ولا تتزوج من بيت أمها مسيطرة على أبيها... المحاذير كبيرة والأفضل أن تتريث، ولا تكثر العيال إذا كانت أمورك المالية محدودة.

تريد أن تستقطب أصحاب المهن والعقول؟ اعطِ محفزات وإغراءات، وخليهم هم الشطار، وأنت شطارتك في كسبهم، وليس تهريبهم.

لن يعزك أحد مرتين، هي مرة واحدة فقط فإن خسرتها تكون الثانية مجاملة، اعرف كيف تتصرف مع الفرص حتى لا تضيع.

لا تثق كثيراً، وكن حذراً كثيراً، حتى لا تعض أسنانك لسانك.

آخر الأخبار