تذكرت أيام الصيف الجميلة والسباحة في البحر، مع الأهل والأحباب، إذ كنا نضع كرة الماء في البحر، ونغمرها بأقصى قوتنا إلى قعر الماء، ونقفز معها بشدة إلى فوق السطح، ونقفز معها بشدة للتقاطها.
ذكرتني هذه اللعبة البسيطة بمعدن الفضة الذي ظلت أسعاره مغمورة لأطول فترة ممكنة منذ 1971 إذ جرى بعهد رئيس الولايات الأميركية المتحدة، ريتشادر نيكسون، بفك الارتباط بين الدولار والذهب والفضة.
كان الاقتصاد الإسلامي يعتمد على عملتي الذهب والفضة والدينار كان يساوي 4.25 غرام ذهب، والدرهم يساوي 2.975 غرام فضه، وهكذا كان الاقتصاد آمنا من فكرة التضخم المالي، وأزمات المضاربة الورقية في المجتمع.
ولقد كان الدولار الأميركي مرتبطا 90 في المئة بالفضه و10في المئة بالذهب منذ سنة 1792 إلى سنة 1873، ثم تم وضع قانون سك العملة (Coinage Act)، وتم تعدين عملات فضية محددة للاستخدامات المالية، ثم في عام 1878 اخترعت الشهادة الفضية (Silver Certificate) مقابل كل شهادة عملات معينة من الفضة.
ومن ثم في عام 1965 وبسبب ارتفاع أسعار الفضة بشدة بسبب التضخم، والتهافت على الفضة من المصانع الكبرى، تم تحييد ارتباط الدولار بالفضة من 90في المئة إلى 40في المئة، وتم استخدام النحاس والنيكل مكانه، مع الارتباط بالذهب، إلى أن تم فك ارتباط الدولار تماماً عن المعادن الثمينة في عام 1971، وقد أصبح الدولار يعتمد على مبيعات النفط بالدولار الأميركي والهيمنة الأميركية على الاقتصاد والاقراض العالمي بالدولار. وعلى اثر ذلك ومنذ الحين بدأت عمليات السيطرة على أسعار الفضة، وغمسها تحت الماء، إلى أكبر قدر ممكن، وذلك للسيطرة على أسعار منخفضة مقابل القوة السعرية للدولار الأميركي، والسيطرة على التضخم والاطمئنان على الأموال العالمية التي تضخ ودائعها بالدولار، وحفظ الصناعة بأقل الأسعار للفضة.
لقد كانت المضاربة في اسعار الفضة (Silver shorting) في سوق المستهلكات ( Comex Market) هي السمة السائدة للبنوك الأميركية الكبرى للسيطرة على أسعار الفضة، وغمرها دوماً تحت الماء.
لكن كما نعلم لا بد للكرة أن تقفز فوق الماء عالياً بعد غمرها، وها نحن اليوم نشهد قفزات سريعة في أسعار الفضة، بسبب التهافت على هذا المعدن، من الصين والهند وروسيا، وبقية المصانع والشركات الكبرى في العالم، وقد بدأ يخرج من سيطرة البنوك العالمية والأميركية الكبرى مع صعود أسعار الذهب أيضا.
من الواضح أن الصراع العالمي يحدث أمام أعيننا، لكنه صراع عملات، واقتصاد بحت، فالهند تشتري الفضة بنهم لاستخدامه في مصانعها، ولنيتها ربطه ولو 10 في المئة بعملتها، وذلك لتقوية عملتها أمام الدولار الأميركي الذي فك ارتباطه اصلا بالمعادن الثمينة منذ زمن بعيد.
أيضا الصين قررت من الأول من يناير الجاري منع تصدير الفضة خارج البلاد، إلا بقوانين محددة جداً، كما أن الولايات المتحدة قررت وضع معدن الفضة ضمن المعادن الستراتيجية الحيوية الحرجة (Critical Metal)، لانه أصبح معدنا أساسيا في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية والأسلحة الحربية والأدوات الطبية، وفي قطاع اليورانيوم، وقطاع النظام الشمسي (Solar system).
كما أن سعر معدن الفضة يعتبر غير مرن ( Inelastic Elastic price) إذ لا توجد شركة تنجيم عن الفضة، لكنه يستخرج بكميات من شركات التنجيم عن النحاس، والزنك، والذهب، فكلما زاد سعر الفضة لا يكون هناك زيادة في الإمداد، فكلما زاد الطلب عليه، يصعد بسرعة رهيبة.
ونحن اليوم بصدد الحرب الشعواء على سعر الفضة بسبب التضخم، وارتفاع اسعار الذهب، وتخفيض سعر الفائدة، والاستخدام الصناعي الكبير اليوم ومستقبلا.
كما أن هناك النسبة الذهبية بين الذهب والفضة في الطبيعة، وهي 1:16 والتي غالبا تتجه الأسعار طبيعيا لها، إذا لم يكن هناك أي تلاعب بأسعار الفضة، مع العلم أن النسبة حاليا هي لكل كيلوغرام ذهب 60 كيلوغراما فضة.
فهل الكرة الفضية ستقفز حتما فوق سطح الماء إلى عنان السماء، وتلحق بأسعار الذهب لتصل الى 1500 دينار للكيلوغرام في 2026، وهل هي الحرب العالمية الشعواء على الفضة، أم أن كل ذلك هراء في هراء؟.
كاتب وخبير اقتصادي